تراجع مؤقت لأسعار السلع المستوردة.. والمضيق يهدد الاستقرار مجددا
انخفضت أسعار عدد من السلع الغذائية المستوردة في الأسواق المصرية مؤخرا، بعد عودة حركة الملاحة عبر المضيق وانتظام سلاسل الإمداد، ما خفض تكاليف الشحن والتأمين على الواردات.
لكن هذا التراجع لا يبدو مستقرا، فمع تصاعد التوترات الإقليمية وتلويح أطراف الصراع بإغلاق المضيق مجددا، تلوح في الأفق موجة جديدة من الارتفاعات، فأي تعطيل للملاحة سيعيد رفع فاتورة الشحن، ويضغط مباشرة على أسعار السلع الأساسية التي يعتمد عليها المستهلك.
ويضع هذا السيناريو الحكومة بين خيارين صعبين، إما تحمل عبء دعم إضافي يثقل كاهل الموازنة العامة، أو ترك السوق يواجه موجة غلاء جديدة تلامس جيب المواطن مباشرة، وبين فتح الممر وإغلاقه، تبقى أسعار السلع الغذائية أسيرة قرار لا يتخذ.
القانون الرادع وخفض المحروقات مفتاح انخفاض سعر الزيت بعد فتح المضيق
وفي هذا السياق، قال الدكتور علي مصيلحي، وزير التموين الأسبق، إن الوزارة تمتلك آليات لمراقبة هامش ربح المستورد والمصنع، لكنها جزء من سياسة الدولة العامة، معربا عن استغرابه من ارتفاع أسعار السلع سريعا على المواطن، بينما لا يشعر بانخفاضها رغم تراجعها عالميا، خاصة بعد إعادة فتح مضيق هرمز وانخفاض تكلفة شحن السلع المستوردة مثل الزيت.
وأضاف وزير التموين الأسبق، أن هذا الخلل قد يعود إلى سوء الإدارة أو الطمع، مشيرا إلى أن الاستغلال والنهب يضران بالمواطن مباشرة، متسائلا لماذا نقبل بذلك ونكتفي بالرضا بحكم القدر وأولي الأمر؟
وأكد "مصيلحي"، أن الدولة تمتلك قوانين ولوائح لمعالجة هذه القضايا وفرض غرامات على من يمتنع عن خفض الأسعار، لكن السؤال هو، هل استنفدنا تطبيقها على المخالفين؟، مشددا على أن السكوت والتبرير للمخالفين يرسخ الوضع الحالي.
وأوضح أن احترام القانون يحمي الجميع، فطالما بقي القانون مهانا ومخترقا أصبحنا جميعا مخالفين، لافتا إلى أن دور ولي الأمر هو محاسبة المخالف فورا لضمان انعكاس انخفاض الأسعار العالمية على السوق المحلي.
وانتقد "مصيلحي"، كلمة "الدعم"، متسائلا، من أين ندعم المواطن؟ هل من إرث أم من ميزانية الدولة؟ مؤكدا وجود خلل في توزيع الميزانية بسبب غياب الأولويات، داعيا إلى إعادة توزيع الموارد بعيدا عن البنود الترفيهية، والتركيز على الملفات الحيوية: الصحة، والتعليم، والغذاء.
وأشار إلى أن انخفاض أسعار السلع المستوردة مثل الزيت بعد فتح المضيق يجب أن يوظف في تخفيف أعباء الدعم التمويني عبر توزيع عادل يراعي احتياجات الناس، مؤكدا رضا المواطن عن أي فائض تعيده الدولة إليه.
وجدد وزير التموين الأسبق، تأيده لعدم رفع أسعار المحروقات، مطالبا بأن يطبق الرفع على القادرين فقط، حيث برر ذلك بأن رفع السعر يشعل أسعار جميع السلع على المواطن، بينما خفضه يخفض تكلفة النقل والإنتاج، وينعكس إيجابا على سعر الزيت والسلع الغذائية المستوردة.
واستكمل الدكتور علي، أن الدولة إذا أرادت إفادة المواطن فعليا، فعليها أن تبدأ بخفض سعر المحروقات، خاصة مع تراجع أسعار النفط عالميا بعد استقرار الملاحة في مضيق هرمز.
مخزون آمن 6 شهور والأسعار تنخفض بعد فتح المضيق
في حين، أكد النائب ممدوح عبدالسميع جاب الله، عضو لجنه الخطة والموازنة بمجلس النواب، أن المجلس يمارس دوره الرقابي للتأكد من وصول انخفاض الأسعار العالمية للمواطن، مشيرا إلى أن الحكومة تعمل على توفير السلع بكميات مناسبة عبر ضبط سلاسل الإمداد، ومع زيادة المعروض تنخفض الأسعار، وهذا ينطبق على السلع الأساسية يوميا.
وشدد عضو مجلس النواب، على أن البرلمان ناقش قانون حماية المنافسة ومنع الاحتكار، وأن القوانين الحالية تجرم تخزين السلع بهدف تعطيش السوق، مؤكدا أن الأجهزة الرقابية تنفذ حملات تفتيش دورية، ويواجه المخالف عقوبات تصل للسجن خاصة وقت الأزمات، مثل إغلاق وإعادة فتح مضيق هرمز.
وأردف "جاب الله"، أن السوق يشهد منافسة بين مئات التجار، داعيا المواطن للبحث عن السلعة الأجود بأقل سعر لدعم المنافسة الشريفة، وضبط السوق يعد مسؤولية تكاملية بين البرلمان والأجهزة التنفيذية والمواطن نفسه.
وكشف عضو مجلس النواب، أن مخزون مصر الإستراتيجي من الزيت والقمح يكفي 6 أشهر مع تعويض الإستهلاك أولا بأول، ومع إعادة فتح مضيق هرمز انخفضت تكلفة الشحن والوقود عالميا، ما ينعكس إيجابا على سعر الزيت المستورد ويخفف الضغط على الدولار بالموازنة العامة.
فتح مضيق هرمز يزيل علاوة المخاطر ويبشر بانخفاض سعر الزيت المستورد
وبدوره، أكد الدكتور محمد البهواشي، الخبير الإقتصادي، أن الأسواق العالمية سبقت الأحداث وشعرت بخطر الحرب قبل وقوعه، فارتفعت أسعار السلع الإستراتيجية استباقيا، موضحا أن الانخفاض الحالي في الأسعار نتج بشكل مباشر عن إعادة فتح مضيق هرمز وإزالة "علاوة المخاطر" من تسعير النفط، وليس عن تصفية المضاربين لمراكزهم فقط.
وشدد الخبير الإقتصادي، على أن العلاقة بين الممرات الملاحية والأسعار وثيقة، فإغلاق المضيق يعطل سلاسل الإمداد ويرفع التكاليف عالميا، بينما إعادة فتحه تهدئ الأسواق فورا.
وأشار "البهواشي"، إلى أن الأسعار ترتفع لحظيا كرد فعل سريع على الأخبار، لكنها تتراجع ببطء لأن التحسن لم يكتمل بعد، موضحا أن مئات الناقلات ما زالت محتجزة داخل الخليج العربي، وأن شركات الشحن أبرمت عقودا وقت الأزمة بأسعار مرتفعة، وأن المستهلك لن يشعر بالانخفاض مباشرة، وسيحتاج الأمر فترة زمنية حتى تنعكس تراجع تكلفة الشحن على المنتج النهائي.
وذكر الخبير، أن التجار في الأسواق المصرية دأبوا على رفع أسعار السلع المخزنة مسبقا مع اندلاع أي أزمة، وعند عودة الهدوء يبررون الإبقاء على السعر المرتفع بحجة شراء البضاعة وقت الغلاء، واصفا هذه الممارسة بأنها "ثقافة تجارية متوارثة" وليست ظاهرة طارئة، وهي السبب الرئيسي وراء الفجوة بين هبوط الأسعار عالميا وثباتها محليا رغم تراجع النفط.
ونوه "البهواشي" إلى أن مصر لا تتأثر مباشرة بمضيق هرمز، لكنها تتضرر من اضطراب الإمداد العالمي، موضحا أن طريق رأس الرجاء الصالح يمثل بديلا رئيسيا لدول أوروبا، بينما تستورد مصر زيت الطعام من دول شرق آسيا كالهند وماليزيا عبر اتفاقيات توريد قائمة.
واختتم حديثه مؤكدا مع تراجع أسعار النفط عالميا وانخفاض كلفة النقل البحري، متوقعا أن تتجه المؤشرات نحو انخفاض سعر الزيت المستورد مستقبلا، بشرط استمرار استقرار الملاحة وتوافر بدائل تعاقدية مع دول حوض البحر المتوسط وشرق آسيا.