بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
د/إلهام صلاح
رئيس التحرير
وليد الغمرى

وليد الغمري يكتب.. ضياء رشوان يخوض المعركة الأخيرة

بلدنا اليوم

كان أبي موظفًا بسيطًا جاء من مجتمع القرية إلى مجتمع المدينة حين فتح الزعيم عبد الناصر مصانع حلوان، ووسط صخب المدينة كان يحافظ على نظام قروي قيمي صارم داخل البيت، لم يقرأ أبي أبدًا للفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، ولكنه كان دومًا يخبرني: احذر حين تحارب الوحوش أن تتحول لوحش!! وعلمني دومًا أن حجمي من حجم أعدائي، لهذا كنت أختارهم بعناية، ولأن الوقائع لا تُنسى والتاريخ لا يُهمل، فلا يزال أرشيفي الصحفي شاهدًا على معارك ظلت لسنوات مع زميلي الوزير ضياء رشوان، كانت خصومة من أجل المهنة والنقابة، لا شيء شخصي فيها على الإطلاق، تلك المعركة التي خضتها من أجل زملائي فيما عُرِف وقتها بأزمة "تكويد الصحف" وانتهت الخصومة بعد أربع سنوات بانتهاء الأزمة..

أكتب هذا الاستهلال على سبيل تبرئة الذمة من أن تكون سطوري التالية رياءً لوزير داخل أروقة السلطة.. أو مشاركة في معركة رخيصة القيمة والمضمون، وإنما هالني أن أجد بين عشية وضحاها أن المحاولة الأخيرة التي يطلقها رئيس الجمهورية بنفسه لإنقاذ الإعلام المصري تصبح في مرمى نيران خبيثة تستهدف النيل منها في شخص الوزير ضياء رشوان وزير الدولة للإعلام.. وتوشحت صفحات السوشيال ميديا بصفحات "مشبوهة" تستهدف الوزارة الوليدة والزميل القديم بل وتستهدف مزيدًا من انهيار المهنة برمتها، وفي الخلف مصالح شخصية "عفنة" وسط ساحة من تصفية الحسابات الرخيصة.

فلم تكن أزمة خبر ترشيح معاونين لوزير الإعلام وما صاحبها من لغط، غير جزيء من حملة ممنهجة وموجهة لشخص الوزير الذي لم يُترك حتى لبناء كوادر الوزارة الجديدة، فتسريبات منتصف الليل لن يختلف أحدٌ على كونها متعمدة لضرب هذه الوزارة في لحظة ميلادها..

وعلى هذه المساحة طالما كتبت عن منظومة الفساد داخل أروقة السلطة وخارجها التي استفحلت في ظل غياب سلطة الكلمة ورقابة الصحافة في مصر، ولكن الغريب كان تحالف صحفيين وكتاب وإعلاميين معهم، في ضرب الفرصة الأخيرة التي يخوضها ضياء رشوان لعودة الصحافة المصرية.

المعركة التي بدأت مع الوزير قبل تشكيل هيكل إداري لوزارته لم تدع مجالًا للشك أن هناك من يريد اغتيال المحاولة الأخيرة للنجاة، ليصل الأمر إلى تدخل مباشر من رئيس الجمهورية ليعلن في افتتاح القيادة الاستراتيجية للدولة ومن داخل حدث لا علاقة له بالإعلام من الأساس، وبتوجيه رئاسي في أول كلمة في خطابه بتكليف وزير الإعلام بإعداد مؤتمر عام للإعلام المصري محددًا باليوم 3 ديسمبر المقبل.. فهذا في تقديري المتواضع هو إطلاق نيران رئاسية علنية ضد منظومة الفساد التي تريد قتل أخر أمل لنا لإنقاذ الإعلام المصري.

وتصورْتُ وغيري أن الأمور يمكن أن تقف عند هذا الحد، لكن للمشهد زاوية أخرى سوداء تم ترصد الوزير فيها، وفي اللحظة التي خرج علينا فيها بلسان صحفي يحمل عنوان "الفضفضة" يطالب زملائه بالاستعداد للمرحلة القادمة وفتح المجال العام، وكسر الرقابة الذاتية التي كانت سمة العقد الماضي من تاريخ الصحافة.. وجدنا طابورًا خامسًا ولجانًا إلكترونية تحاول ضرب مشروع "حرية الصحافة" الذي بدأه الوزير بفضفضة على صفحته الشخصية على الفيس بوك بوصفه كاتبًا وصحفيًا ليس بوصفه وزيرًا للإعلام كما قال هو..

وأنا هنا لا أقصد ما كتبه الزملاء من نقد لفكرة الفضفضة وأتفهم جيدًا أن طموحات زملائي من ضياء رشوان بتاريخه المهني والنقابي وسط أوضاع مهنية خربة تفوق احتمالات التعاطي مع دعوة وزارية لهم منشورة على السوشيال ميديا.. فالحقيقة أن ضياء رشوان واحدٌ من جيل الكبار الذين افتقدنا آثارهم في مهنتنا التي ضاعت عن قصد وتعمد..

ولكن أن يصل الأمر إلى الطعن في شخص الوزير في كل ملف تولاه وعبر كتابات مسمومة ذات حسابات شخصية فهو أمر لا يمكن حسبانه غير على منظومة الفساد التي تريد وأد هذه المهنة حتى النهاية.

فالحديث عن ضياء رشوان نقيبًا وبالأرقام، سنجد أن صحفيي مصر لم يحصلوا على أي امتياز مادي أو معنوي بعد رحيل رشوان من مقعد نقيب صحفيي مصر.

وأمام إشكالية أنه لا يملك كائنًا من كان أن يشكك في ذمة الوزير المالية، فما كان منهم سوى تتبع مراحل تاريخه كباحث وكَرجُل دولة في الملفات التي أسندتها الدولة إليه، ليتم فتح نيران المدفعية الثقيلة على تاريخه، وتناسى الجميع عن قصد وتعمد أن ضياء رشوان شكل حالة شديدة الخصوصية بين من يقفون على يمين السلطة ومن يقفون على يسارها، ليصبح محل احترام من كلا الفريقين، فكان الأجدر والأوثق والأكثر مصداقية حين تفتح السلطة بابًا للحوار الوطني، أن يجلس هو على المقعد الذي يفصل بين الفريقين، ولكنه بكل تأكيد ليس صاحب قرار تنفيذي في هذا الشأن، أما قدرته على إدارة حدث بهذه الكيفية وأن تُفتح الأبواب للجميع ليكون المتنفس السياسي الأبرز خلال العقد الأخير، فهذا قطعًا يُحسب للرجل.

وفي الهيئة العامة للاستعلامات التي ظلت عقودًا تاريخية طويلة مجرد مكاتب فارغة من المضمون، لا دور لها غير استخراج تصاريح الصحفيين الأجانب للعمل في مصر، فقد تحولت في عصر ضياء رشوان لمنصات إطلاق نيران قوية في وجه كل من سولت له نفسه التطاول على الدولة المصرية من خارجها، ولن أكون مبالغًا حين أقول إن الهيئة في عهد رشوان ملأت فراغ انهيار الإعلام في مصر بشكل لم يكن متوقعًا منها، ولو لم يفعل ضياء رشوان في تاريخه غير ما قام به في الهيئة العامة للاستعلامات في مواجهة العدو في دولة الاحتلال أثناء حرب غزة لكفاه هذا تشريفًا أمام من يزايدون عليه، فقد كانت الهيئة العامة للاستعلامات منصة لقذائف الكلمة في معركة عدم تهجير الفلسطينيين من غزة وظهيرًا قويًا يقف خلف الدبلوماسية المصرية.

من أجل كل ما سبق أقول لزملائي ولكل من يعنيه إنقاذ منظومة الإعلام المصري، لقد شاءت الأقدار أن نخوض تجربة مريرة من عمر ضياع مهنتنا وانهيار حاضرها، وأنا وغيري الكثيرون نرى أن الأمل الأخير في نجاح تجربة وزارة الإعلام بقيادة الزميل ضياء رشوان وأن دعوة الرئيس لمؤتمر ديسمبر المقبل ربما ستكون آخر محطة لقطار التوصيات التي لم يكن لضياء رشوان أدنى ذنب فيها، بل هي الأمل الأخير أن يقود الإعلام والصحافة أهلُه لا أهلُ الثقة، قفوا بجوار ضياء رشوان فقد أرهقتنا تجارب الضباط والمهندسين في إدارة الإعلام، وحان الوقت لأن يعود لهذه البلد سيف الكلمة مرة أخرى بيد مقاتلي الكلمة لا بيد أحد سواهم.

تم نسخ الرابط