بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
نجدى عيسى
رئيس التحرير
وليد الغمرى

وليد جاب الله لـ«بلدنا اليوم»: مصر أمام اختبار اقتصادي حاسم

بلدنا اليوم

واجه الاقتصاد المصري خلال السنوات الماضية سلسلة متلاحقة من الأزمات، بدأت بتداعيات ما بعد يناير 2011، ثم جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية، وصولًا إلى الحرب في غزة والتوترات الإقليمية والحرب في إيران، لتبقى قدرة الاقتصاد على تجاوز هذه الصدمات محل تساؤل دائم.

وفي ظل هذه التطورات، يفتح «بلدنا اليوم» عددًا من الملفات الاقتصادية الأكثر حساسية مع الخبير الاقتصادي وليد جاب الله، بداية من حقيقة خروج الاقتصاد المصري من دائرة الأزمات، ومستقبل الجنيه والدولار، وصولًا إلى أسعار الفائدة وقدرة البنك المركزي على تحقيق التوازن بين التضخم والاستثمار.

هل الاقتصاد المصري خرج فعلًا من الأزمة.. أم أن مصر أصبحت أكثر احترافًا في إدارة الأزمات؟

أكد وليد جاب الله أن الاقتصاد المصري نجح خلال السنوات الماضية في عبور مجموعة متتالية من الأزمات، مشيرًا إلى أن الأزمة الداخلية الأكبر كانت بعد يناير 2011، قبل أن تتوالى أزمات عالمية، أبرزها جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية والحرب في غزة والحرب في إيران.

وأوضح أن الاقتصاد المصري تمكن من التعامل مع هذه الأزمات والعبور منها، رغم أن معظمها كان نتيجة صدمات عالمية ألقت بظلالها على مختلف الاقتصادات.

هل الجنيه المصري مستقر فعلًا، أم أننا أمام «هدنة» قبل موجة جديدة من انخفاض قيمة العملة؟

قال جاب الله إن سعر صرف الجنيه المصري مرن، موضحًا أن البنك المركزي يدير السياسة النقدية بهدف الحفاظ على استقرار سعر الصرف وفق القواعد المعمول بها عالميًا.

وأضاف أن ما حدث مع بداية الحرب في إيران يؤكد مرونة سعر الصرف، بعدما ارتفع الدولار إلى نحو 52 جنيهًا قبل أن يعاود التراجع، مشيرًا إلى أن الجنيه قد يرتفع أو ينخفض مستقبلًا وفقًا للتطورات العالمية.

ولفت إلى أن تحركات سعر الصرف ترتبط بعوامل خارجية، أبرزها أسعار الطاقة والشحن والنقل والسلع الأساسية وعناصر الإنتاج التي يعتمد الاقتصاد المصري على استيرادها.

أين ترى سعر الدولار أمام الجنيه في نهاية 2026؟ وهل وصوله إلى 60 جنيهًا خلال 2027 سيناريو مستبعد؟

يرى الخبير الاقتصادي أن سعر الصرف بنهاية 2026 سيتوقف بدرجة كبيرة على تطورات الحرب في إيران، متوقعًا أن يتجه الدولار إلى مسار تنازلي حال انتهاء الحرب.

وأشار إلى إمكانية انخفاض الدولار إلى أقل من 50 جنيهًا، بل ووصوله إلى نحو 48 جنيهًا بنهاية العام إذا انتهت الحرب، بينما استمرارها قد يدفع الدولار إلى الارتفاع عن مستوياته الحالية.

وأكد أن التنبؤ بسعر الدولار خلال 2027 يظل صعبًا في ظل سرعة تغير الأوضاع الخارجية، موضحًا أن المتغيرات الدولية تتحرك بصورة لحظية.

هل البنك المركزي أمام معركة مستحيلة بين خفض الفائدة وعودة التضخم أو إبقائها مرتفعة وخنق الاستثمار؟

أكد جاب الله أن الحفاظ على أسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية يمثل الخيار الأفضل في المرحلة الراهنة، مشيرًا إلى امتلاك البنك المركزي أدوات تسمح له بالحفاظ على استقرار السياسة النقدية.

وتوقع اتجاه البنك المركزي إلى تثبيت أسعار الفائدة عند معدلاتها الأخيرة، لافتًا إلى أن توافر فائض دولاري يدعم قدرة البنك المركزي على الحفاظ على استقرار سوق الصرف.

هل الفائدة المرتفعة أصبحت تعالج التضخم.. أم تحولت إلى جزء من المشكلة بسبب تكلفة الدين والاقتراض؟

أكد وليد جاب الله أن رفع الفائدة إحدى أدوات السياسة النقدية المهمة في مواجهة التضخم، إلا أن علاج التضخم يحتاج إلى استكمالها بأدوات اقتصادية أخرى، خاصة أن التضخم لا ينتج عن عامل واحد.

لو خفض البنك المركزي الفائدة بقوة.. من سيكون المستفيد الأكبر: المواطن، المستثمر، الحكومة أم البورصة؟

قال جاب الله إن خفض الفائدة بقوة خلال الفترة الحالية ليس مطروحًا، مؤكدًا أن تثبيت أسعار الفائدة أو الإبقاء عليها مرتفعة يمثل أحد العوامل الأساسية للتعامل مع التضخم والسيطرة على ضغوط الأسعار.

لماذا يشعر المواطن أن التضخم الحقيقي أعلى بكثير من الرقم الرسمي؟

أوضح الخبير الاقتصادي أن السبب يرجع إلى ارتفاع أسعار الغذاء، باعتبارها من أكثر البنود تأثيرًا على إنفاق الأسرة المصرية، وبالتالي فإن المواطن يشعر بارتفاع أسعارها بصورة يومية ومباشرة.

وأضاف أن المواطن لا يتعامل مع معدل التضخم كرقم مجرد، وإنما مع أسعار السلع الأساسية التي يشتريها باستمرار، ولذلك قد يكون إحساسه بارتفاع الأسعار أكبر من معدل التضخم الرسمي المعلن.

هل نحن أمام "أسعار جديدة" لن تعود إلى مستويات ما قبل الأزمة حتى لو انخفض التضخم بشكل كبير؟ وهل يجب أن يتوقف المصريون عن انتظار عودة الأسعار القديمة؟

أكد وليد جاب الله أن انخفاض معدلات التضخم لا يعني بالضرورة عودة الأسعار إلى مستويات ما قبل الأزمة، موضحًا أن بعض الأسعار قد تشهد تراجعًا بالفعل، لكن هناك العديد من الخدمات والأسعار الأساسية التي أصبحت عند مستويات مرتفعة، مثل الدروس والكشوفات الطبية وغيرها.

وأشار إلى أن تراجع التضخم يعني في الأساس تباطؤ وتيرة ارتفاع الأسعار، وليس عودة الأسعار تلقائيًا إلى مستوياتها السابقة، وبالتالي يجب التعامل مع انخفاض التضخم باعتباره استقرارًا نسبيًا في الأسعار أكثر من كونه عودة إلى الأسعار القديمة.

هل المشكلة الحقيقية في مصر هي التضخم.. أم أن المشكلة الأكبر هي تآكل القوة الشرائية للجنيه؟

أكد وليد جاب الله أن التحدي لا يرتبط بالتضخم أو القوة الشرائية فقط، وإنما بالضغوط الخارجية القوية التي يواجهها الاقتصاد المصري. وأوضح أن التطورات في أسعار النفط والتوترات الجيوسياسية تؤثر بصورة مباشرة على التضخم، مشيرًا إلى أن الاقتصاد المصري كلما حقق خطوات إيجابية، واجه في المقابل تحديات خارجية جديدة، لكنه يواصل التعامل معها وتحقيق نتائج ملحوظة.

صندوق النقد يتحدث عن الإصلاح والاستقرار.. لكن المواطن يرى أسعارًا أعلى وتكاليف معيشة أكبر.. من يدفع فاتورة الإصلاح الاقتصادي؟

قال جاب الله إن صندوق النقد الدولي ينظر إلى الاقتصاد المصري من خلال المؤشرات والإصلاحات التي يتم تنفيذها، بينما ينظر المواطن إلى الأمر من زاوية مختلفة تتعلق بارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة.

وأضاف أن المواطن يتحمل بالفعل أعباء معيشية كبيرة، مؤكدًا أن التحدي الحالي يتمثل في مواصلة الإصلاحات وتحسين أداء الاقتصاد، بالتزامن مع مواجهة التحديات الخارجية.

لو كنت مكان المفاوض المصري مع صندوق النقد.. ما الشرط الذي كنت سترفضه أو تطلب تعديله؟

أوضح جاب الله أنه لا توجد حاليًا مساحة كبيرة للتفاوض، خاصة مع اقتراب انتهاء التعاون الحالي مع صندوق النقد، مشيرًا إلى أن العلاقة في المرحلة الراهنة تقوم على متابعة تنفيذ البنود المتفق عليها والشفافية بين الجانبين.

وأكد أنه لا يوجد تعارض بين مصر والصندوق في الوقت الحالي، في ظل التحسينات والإصلاحات التي شهدها الاقتصاد خلال الفترة الماضية.

هل تستطيع مصر أن تقول لصندوق النقد: «شكرًا.. لم نعد نحتاجك»؟

أكد الخبير الاقتصادي أن مصر أصبحت تمتلك إمكانيات ومؤشرات اقتصادية أفضل تؤهلها للاعتماد بصورة أكبر على قدراتها الذاتية، مشيرًا إلى أن مصر لا تعتزم طلب تمويلات جديدة من الصندوق مع نهاية العام الحالي.

وأضاف أن مصر ستظل عضوًا في صندوق النقد الدولي، وأن إمكانية العودة إليه مستقبلًا ستظل مرتبطة بالظروف والتطورات التي قد تواجه الاقتصاد.

لو توقفت مبيعات أصول الدولة والاستثمارات الخارجية الجديدة لمدة عام كامل.. هل الاقتصاد المصري يملك مصادر دولارية تكفي لمنع أزمة جديدة؟

أوضح جاب الله أن السؤال يرتبط بصورة أكبر بإعادة هيكلة دور القطاع الخاص في الاقتصاد المصري، مؤكدًا أن الدولة تستهدف أن يكون القطاع الخاص لاعبًا رئيسيًا في النشاط الاقتصادي، ولا تسعى إلى منافسته.

وأشار إلى أن طرح الشركات الحكومية يتم وفقًا لقيمتها العادلة، بما يساهم في جذب الاستثمارات وتعزيز دور القطاع الخاص في الاقتصاد.

في النهاية، يبدو أن التحدي أمام الاقتصاد المصري لم يعد فقط الخروج من الأزمة، وإنما بناء اقتصاد قادر على عدم العودة إليها.

فبين استقرار الجنيه، واحتواء التضخم، وخفض تكلفة التمويل، وتعزيز دور القطاع الخاص، تظل المعركة الحقيقية هي تحويل مؤشرات الإصلاح إلى تحسن يشعر به المواطن في الأسعار والدخل ومستوى المعيشة.

ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع مصر خلال السنوات المقبلة أن تبني اقتصادًا أكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات، دون الحاجة إلى الاستعانة المتكررة بالتمويل الخارجي؟

الإجابة ستحددها قدرة الاقتصاد على مواجهة الأزمة المقبلة، وليس فقط نجاحه في تجاوز الأزمات السابقة.

تم نسخ الرابط