عضو البرلمان العالمي للبيئة د. وفيق نصير: تغير المناخ يهدد أمننا الغذائي وتطوير إدارة المياه ضرورة قصوى
مع تصاعد تداعيات التغيرات المناخية، تواجه مصر تحديات بيئية متشابكة، يأتي في مقدمتها ندرة المياه وتأثيراتها المباشرة على الزراعة والأمن الغذائي والصحة العامة، وفي هذا الحوار، يكشف الدكتور وفيق نصير، عضو البرلمان العالمي للبيئة، أبرز المخاطر التي تواجه مصر، ومدى كفاية الإجراءات الحالية، والحلول العاجلة لتأمين الموارد المائية وحماية الدلتا.
س: ما أخطر تحدي بيئي يواجه مصر حاليًا؟
ج: رغم أن التحديات البيئية الثلاثة، وهي ندرة المياه وارتفاع درجات الحرارة وارتفاع مستوى سطح البحر، متداخلة ويغذي بعضها بعضًا، فإن ندرة المياه هي التحدي الأهم والأكثر خطورة في الوقت الحالي.
وأضاف أن مصر تعاني بالفعل من عجز مائي هيكلي، حيث تتجاوز الاحتياجات المائية 110 مليارات متر مكعب سنويًا، بينما الموارد المتاحة من نهر النيل والمياه الجوفية والأمطار تتراوح بين 60 و65 مليار متر مكعب، ويتم تعويض الفارق من خلال إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي وتحلية المياه.
كما أن ارتفاع درجات الحرارة يزيد معدلات البخر وفقدان المياه واستهلاك المحاصيل، بينما يؤدي ارتفاع مستوى سطح البحر إلى زيادة ملوحة المياه الجوفية في الدلتا، وهو ما يؤثر على الموارد الصالحة للزراعة والشرب.
س: إلى أي مدى أصبح تغير المناخ مؤثرًا بالفعل على حياة المصريين؟
ج: تغير المناخ لم يعد مجرد توقعات مستقبلية، وإنما أصبح واقعًا ملموسًا يؤثر في عدد من القطاعات، وعلى رأسها الزراعة والأمن الغذائي والموارد المائية والصحة العامة.
وأوضح أن ارتفاع درجات الحرارة والموجات الحارة المتطرفة يؤثران على إنتاجية بعض المحاصيل الاستراتيجية مثل القمح والذرة، وكذلك بعض الفواكه، ومنها المانجو، كما يؤديان إلى تغير مواعيد الزراعة.
كما أن ملوحة التربة في شمال الدلتا نتيجة تسرب مياه البحر إلى المياه الجوفية تزيد من تدهور الأراضي الزراعية، فضلًا عن ارتفاع الاحتياجات المائية للمحاصيل بسبب زيادة درجات الحرارة.
س: وماذا عن تأثيرات تغير المناخ على صحة المواطنين؟
ج: هناك تأثيرات واضحة، من بينها زيادة حالات الإجهاد الحراري وبعض أمراض الجهاز التنفسي والقلب خلال موجات الحر الشديدة، إلى جانب احتمالية زيادة انتشار بعض النواقل الحشرية للأمراض مع تغير درجات الحرارة والرطوبة.
كما أن اضطراب أنماط الأمطار في حوض النيل وبعض المناطق الساحلية قد يؤدي إلى فترات جفاف تتبعها سيول مفاجئة، وهو ما يمثل تحديًا إضافيًا أمام التخطيط وإدارة الموارد.
س: هل الإجراءات الحكومية الحالية كافية لمواجهة هذه التحديات؟
ج: الدولة اتخذت بالفعل خطوات جادة ومهمة خلال السنوات الأخيرة، من بينها تبطين الترع، والتوسع في نظم الري الحديثة، ومشروعات إعادة استخدام مياه الصرف، مثل محطة بحر البقر ومحطة الدلتا الجديدة، إلى جانب التوسع في تحلية مياه البحر والطاقة المتجددة وتنفيذ مشروعات الحماية الشاطئية.
وقال رغم أهمية هذه الإجراءات، فإن حجم وتسارع ظاهرة تغير المناخ يتطلبان تسريع وتيرة التحرك، خاصة في ظل الزيادة السكانية والضغوط الاقتصادية.
س: ما التدخلات العاجلة التي تحتاجها مصر لحماية مواردها؟
ج: نحتاج أولًا إلى تسريع وتوسيع مشروعات حماية الدلتا والسواحل، مع الاستفادة من الحلول القائمة على الطبيعة لمنع تغلغل مياه البحر.
كما يجب إحداث نقلة في إدارة الطلب على المياه، من خلال التوسع في الأصناف الزراعية قصيرة العمر والمقاومة للجفاف والملوحة، والحد من زراعة المحاصيل كثيفة استهلاك المياه، إلى جانب تطبيق نظم الري الحديثة بصورة أكثر صرامة.
ومن الضروري أيضًا دعم صغار المزارعين بوسائل الإنذار المبكر والتأمين المناخي والتكنولوجيا الحديثة لمساعدتهم على التكيف مع التقلبات المناخية.
س: هل يمكن أن تصل مصر إلى مرحلة تعجز فيها عن تأمين احتياجاتها المائية؟
ج: نعم، إذا استمرت معدلات النمو السكاني بالتوازي مع التأثيرات المتزايدة للتغير المناخي، وعدم التوصل إلى أطر ملزمة لإدارة الموارد المائية في حوض النيل، فقد تواجه مصر مرحلة من الفقر المائي الشديد، حيث يصبح تأمين الاحتياجات المائية أكثر صعوبة، وبكلفة اقتصادية وبيئية مرتفعة.
س: وما الذي يجب أن نفعله الآن لتجنب هذا السيناريو؟
ج: يجب التحرك على عدة مسارات متوازية، أبرزها التوسع في تحلية مياه البحر باستخدام الطاقة المتجددة، خاصة لتلبية احتياجات المدن الساحلية والاستخدامات الصناعية.
وأكد يجب تعظيم إعادة استخدام المياه، سواء مياه الصرف الصحي أو الزراعي، بعد معالجتها وفق المعايير المطلوبة، والاستفادة منها في الاستخدامات المناسبة.
كما لا يقل أهمية عن ذلك تعزيز الدبلوماسية المائية والتعاون الإقليمي مع دول حوض النيل، من خلال مشروعات مشتركة للحد من الفواقد وتحسين إدارة الموارد المائية.د
واختتم حواره بالتأكيد على أنه من الضروري أن تتحول قضية المياه من مجرد ملف حكومي إلى ثقافة مجتمعية، يشارك فيها المواطن والمزارع والمصنع من خلال الاستخدام الرشيد للمياه والحفاظ على كل قطرة.