بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
نجدى عيسى
رئيس التحرير
وليد الغمرى

خالد عامر يكتب: الألغام الدبلوماسية وفن استنزاف الجيوش

خالد عامر
خالد عامر

في علم الحروب يوجد قاعدة ذهبية لا تدرس في الأكاديميات العسكرية بل تكتب بدماء الأمم على مر التاريخ مفادها أن ليس كل من يدعوك إلى الحرب يريد لك الانتصار، فبعضهم لا يريد إلا استنزافك، والبعض الآخر يريد أن يراك تنزف حتى آخر قطرة، ثم يقف على مسافة آمنة لحصد الثمار، كما قال الإمام الشافعي: «إذا ألقوا في روعك أن الحرب خير من السلم، فاعلم أنهم يريدون أن يستنزفوك»، هذه الحكمة التي أعادتها إلى الأذهان المذيعة الغربية أثناء حوار تلفزيوني مع وزير الخارجية المصري، لتنكشف نوايا أعمق من مجرد أسئلة صحفية عابرة، بل تنكشف فلسفة استراتيجية كاملة تتبناها قوى إقليمية ودولية تجاه مصر منذ عقود، لدفعها إلى الحرب واستنزاف جيشها لحصد ما يبقى من اقتصادها وجغرافيتها.


فحين تجلس مذيعة غربية أمام وزير خارجية دولة محورية بحجم مصر فهي لا تأتي لتسأل عن أحوال الطقس أو لتستمع إلى خطابات دبلوماسية مألوفة بل تأتي بخريطة ألغام معدة مسبقا كل سؤال فيها محسوب بدقة ليدفع الضيف إلى زاوية لا مفر منها ففي ملف سد النهضة طرحت السؤال المباشر عن احتمالية استخدام القوة العسكرية وهو فخ محكم لأن الإجابة تحول مصر بين ليلة وضحاها إلى دولة معتدية في نظر المجتمع الدولي والسلب يرسل رسالة ضعف لأديس أبابا بأن يدها طليق.


وفي سؤالها عن اتفاقية كامب ديفيد حاولت استدراج مصر إلى إعلان مراجعة المعاهدة وهو ما يعني زلزالا جيوسياسيا في المنطقة وفوضى على الحدود الشرقية يعطي تبريرا لإسرائيل مستقبلا لانسحاب أحادي من التزاماتها بالمعاهدة أما في ملف تهجير الفلسطينيين إلى سيناء فقد حاولت فتح باب النقاش حول الظروف التي قد تجعل مصر تقبل هذا السيناريو وكأن التهجير مسألة تفاوضية وهو الخط الأحمر الذي لا يحتمل التلاعب وفي ملف السودان كان السؤال عن احتمال تقسيمه يهدف إلى استدراج مصر للإفصاح عن تفضيلاتها بين أطراف الصراع أو الاعتراف بوجود خطة بديلة للتعامل مع سودان ممزق.


لكن السؤال الأعمق الذي يتجاوز سطح الحوار إلى أعماق الاستراتيجية هو لماذا تتزايد هذه الضغوط المتكررة لدفع مصر نحو الحروب؟ والإجابة تكمن في فهم طبيعة الحرب الهجينة التي تتبناها قوى إقليمية ودولية هذه القوى تعلم جيدا أن الجيش المصري ليس جيشا عاديا فهو يعد أكبر جيش في الشرق الأوسط وصاحب خبرة قتالية متراكمة من حروب 1948 و1956 و1967 و1973 وقوة ردع إقليمية لا يمكن تجاهلها في أي معادلة شرق أوسطية وحامي البوابة الجنوبية للعالم العربي وقناة السويس شريان التجارة العالمية لذلك فإن المواجهة المباشرة مع مصر عسكريا تعد مكلفة جدا لأي خصم والبديل هو دفعها إلى حروب استنزاف تحقق ثلاثة أهداف في آن واحد استنزاف الموارد الاقتصادية واستنزاف الكوادر البشرية وتشتيت التركيز الاستراتيجي عن التنمية والبناء.

 


وهنا يجب أن نتوقف أمام حقيقة اقتصادية صارخة لا يدركها كثيرون وهي أن الحرب الحديثة ليست مجرد اشتباك بالذخيرة بل هي آلة ابتلاع للمال فاليوم الواحد من العمليات العسكرية المكثفة قد يكلف مئات الملايين من الدولارات وحربا واحدة متوسطة الطول قد تفرغ احتياطي النقد الأجنبي للدولة وتعيد الدولة عقدين من التنمية إلى الوراء لننظر إلى العراق قبل 2003 كانت دولة ذات اقتصاد قوي وعملة مستقرة ثم جاءت الحرب لتحولها إلى ركام ولننظر إلى ليبيا قبل 2011 كانت تتمتع بأعلى دخل فردي في أفريقيا ثم جاءت الحرب لتقسمها إلى دويلات تتقاتل على النفط ولننظر إلى سوريا واليمن حيث دمرت البنية التحتية وتشريد الملايين وأُعيدت الدول إلى العصر الحجري كل هذه الدول كان هناك من يدفعها إلى الحرب أو يحرض أهلها عليها بحجج الديمقراطية وحقوق الإنسان والتغيير لكن الحقيقة كانت أبشع من ذلك الاستنزاف ثم إعادة التشكيل وفق مصالح من دفعوا بهم إلى الحرب.

 


ومصر اليوم ليست في معزل عن هذه المعادلة فهي دولة محورية محاطة بأربع جبهات ملتهبه ليبيا من الغرب السودان من الجنوب غزة وسيناء من الشرق والبحر الأحمر من الشرق وأي حرب على جبهة واحدة قد تفتح الجبهات الأخرى وأي استنزاف للجيش قد يضعف قدرته على مواجهة التهديدات الأخرى والجيش المصري اليوم ليس فقط قوة قتالية بل هو شريك رئيسي في التنمية لاجل هذا يريدون تحويل هذا الجيش من قوة بناء إلى قوة استنزاف وهذا ما يريده أعداء مصر لأن مصر القوية عسكريا واقتصاديا وتنمويا هي مصر التي لا يمكن ابتزازها.

وهنا يجب أن نميز بدقة بين نوعين من الداعين إلى الحرب النوع الأول هو الصديق الصادق الذي لا يدعوك إلى الحرب إلا حين تكون المصلحة الوطنية في خطر وجودي وميزان القوى لصالحك والأهداف واضحة وقابلة للتحقيق والتكلفة محسوبة ومقبولة وهناك مخرج استراتيجي بعد الحرب هذا الصديق يقول لك حارب حين يجب أن تحارب لا حين يراد لك أن تحرب أما النوع الثاني فهو العدو المستتر أو الصديق الساذج الذي يدعوك إلى الحرب في أي وقت وتحت أي ذريعة مهما كانت التكلفة هذا النوع لا يهتم بخسائرك البشرية ولا بدمار بنيتك التحتية ولا بمستقبل أجيالك بل يستفيد من استمرار الحرب سواء ببيع السلاح أو إضعافك أو فتح أسواق جديدة لشركات الأدوية وهو في الحقيقة يقول استنزف نفسك فنحن في انتظار موتك لنجنى الثمار.

 


وما فعله وزير الخارجية المصري في حواره هو تطبيق عملي لمفهوم الغموض الاستراتيجي وهو مفهوم أمريكي الأصل طورته واشنطن في سياستها تجاه تايوان ثم تبنته دول كبرى أخرى الفكرة بسيطة لا تكشف عن نواياك الحقيقية ولا تغلق الخيارات أمامك واترك الخصم في حالة من عدم اليقين حين يقول الوزير المصري إن مصر تحتفظ بحقها في الدفاع عن نفسها وفق القانون الدولي فهو لا يقول سنحارب ولا يقول لن نحارب بل يقول نحن نحتفظ بكل الخيارات والقرار لوقته هذا الغموض يربك الخصم ويجعله يحسب حساب كل الاحتمالات ويمنعك من الوقوع في فخ التصريحات التي تقيد حريتك مستقبلا وهذه الاستراتيجية تتكامل مع مفهوم القوة الصامتة وهو مفهوم عسكري يقول لا تظهر قوتك إلا حين تستخدمها ولا تتحدث عن خططك إلا حين تنفذها الجيش الذي يتحدث كثيرا عن قدراته هو جيش يفقد عنصر المفاجأة والجيش الذي يصمت ويعمل هو جيش يفاجئ الخصم حين يفوت الأوان.

 

 


ومن هنا فإن المعركة الحقيقية التي تخوضها مصر اليوم ليست معارك حدودية فقط بل هي معركة وعي معركة لفهم أن كل من يلوح لك بسيف الحرب ليس بالضرورة حليفك وأن كل من يحرضك على القتال ليس بالضرورة يريد لك النصر والتاريخ المصري الحديث مليء بالدروس ففي عام 1948 و1956 و 1967 من دفع بمصر في مواجهة عسكرية لم يكن يريد لها النصر أما في عام 1973 وعلى النقيض حين اختارت القيادة المصرية توقيتها ومعركتها بحكمة وجمعت بين المفاجأة الاستراتيجية والتخطيط الدقيق تحقق النصر الذي أعاد الكرامة والفرق بين الحالتين ليس في القوة العسكرية فحسب بل في الوعي الاستراتيجي وفي القدرة على تمييز الصديق من العدو والحرب الضرورية من الحرب الاستنزافية.

 


اما اليوم حيث الحروب تحسم قبل أن تبدأ عبر الاستخبارات والحرب الإلكترونية والاقتصادية فالرواية الإعلامية تصنع في غرف مغلقة قبل أن تنقل إلى ساحات القتال وما حدث في غزو العراق ٢٠٠٣ خير شاهد من اجل هذا نأكد أن الوعي هو السلاح الأول والصبر هو الحصن المنيع والحكمة هي البوصلة التي لا تخطئ ومن لم يتعلم من دروس التاريخ كان مصيره أن يعيد تكرارها ومن لم يفهم أن الصمت أحيانا أقوى من الرصاص كان مصيره أن يستنزف في معارك لا تخدم إلا أعداءه.

 


فالجيش المصري بقوتة وحكمت قياداتة يدرك هذه الحقيقة جيدا فهو جيش يعرف متى يقاتل ومتى يصمت ومتى يتحرك ومتى ينتظر وتؤمن قياداته بمقوله لا تطلقوا الرصاص إلا حين تكون إصابته مضمونة ولا تعلنوا الحرب إلا حين يكون النصر فيها محققا ونحن الان نعيش في عالم مليء بالألغام الدبلوماسية والفخاخ الاستراتيجية والأصدقاء الغادرين الذين يتقنون فن الاستنزاف.
لهاذا تبقى مصر بجيشها وشعبها وقيادتها على عهدها دولة سلام حين يكون السلام ممكنا ودولة حرب حين تكون الحرب حتمية لكنها أبدا ليست دولة استنزاف لأجل عيون الآخرين


قال تعالى وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ والقوة اليوم ليست فقط في السلاح بل في العقل الذي يخطط وفي الحكمة التي تميز وفي الصبر الذي ينتظر ومن فهم هذا فقد فهم سر بقاء مصر شامخة على مر التاريخ حفظ الله الجيش.

 

تم نسخ الرابط