من داخل الصاغة.. 3 تحولات تكشف كيف تغيّر زبون الذهب
لم تعد حركة سوق الذهب في مصر تُقرأ من شاشة الأسعار وحدها؛ فداخل محال الصاغة تظهر تحولات أخرى في طريقة تعامل المصريين مع المعدن الأصفر، بين مواطن يبيع جزءًا من مدخراته للحصول على السيولة، وآخر يتعامل مع الذهب باعتباره استثمارًا، وزبون يدخل المحل بعدما راجع أسعار الذهب عبر أكثر من تطبيق ومنصة إلكترونية.
وفي رصد ميداني أجرته موقع «بلدنا اليوم» من داخل أحد محال الذهب بشارع السودان، كشف رفيق إبراهيم، نقيب تجار الذهب الأسبق وأحد تجار المنطقة، عن تغيرات لافتة في حركة البيع والشراء وسلوك العملاء خلال الفترة الحالية.
حركة البيع تتقدم داخل المحل
وقال إبراهيم، في تصريحات خاصة لـ«بلدنا اليوم»، إن حركة بيع الذهب من جانب المواطنين أقوى حاليًا داخل المحل، موضحًا أن دوافع البيع تختلف من شخص إلى آخر، إلا أن الحاجة إلى توفير السيولة والإنفاق على الأبناء تأتي ضمن الأسباب التي يلمسها من تعاملاته اليومية.
وأشار إلى أن الفترة الحالية تشهد ضغوطًا مالية مرتبطة بمصاريف المدارس والجامعات والملابس وغيرها من الالتزامات الأسرية، وهو ما يدفع بعض الأسر التي تمتلك الذهب إلى تسييل جزء من مدخراتها لتوفير الأموال اللازمة لهذه النفقات.
ولا تعني شهادة إبراهيم أن هذا هو الدافع الوحيد وراء عمليات البيع في سوق الذهب؛ إذ تشير حركة السوق خلال الأسابيع الأخيرة إلى وجود دوافع أخرى، من بينها الاستفادة من ارتفاع الأسعار وجني الأرباح، إلى جانب الاحتياجات المالية لأصحاب المدخرات.
الذهب بين الحاجة للسيولة وجني الأرباح
وأوضح إبراهيم أن المتعاملين في سوق الذهب لا يتحركون بالطريقة نفسها؛ فهناك من يحتفظ بالذهب باعتباره مدخرًا طويل الأجل، وهناك من يبيع عند ارتفاع أسعار الذهب، بينما يستغل آخرون فترات التراجع لإعادة الشراء.
ويرى أن التحركات السعرية القوية التي شهدها المعدن خلال الفترة الأخيرة دفعت شريحة من المتعاملين إلى متابعة أسعار الذهب بصورة أكثر كثافة، وأصبح قرار البيع والشراء لدى بعض العملاء أكثر ارتباطًا بتوقيت الحركة السعرية.
وتتفق ملاحظة التاجر بشأن زيادة عمليات إعادة البيع مع مؤشرات ميدانية ظهرت في السوق خلال الفترة الأخيرة، إذ رُصدت زيادة في المعروض من الذهب القادم من المواطنين أمام عدد من المحال، بما وضع السيولة المتاحة لدى بعض التجار أمام اختبار القدرة على استيعاب الكميات المعروضة.
المعروض يختبر سيولة محال الذهب
وأكد إبراهيم أن زيادة كميات الذهب التي يعرضها المواطنون للبيع تؤثر بطبيعتها على السيولة المتاحة لدى المحال، لكنه أوضح أن الصورة لا تسير في اتجاه واحد، لأن وجود حركة شراء جيدة من العملاء يساعد على خلق توازن بين الذهب الداخل إلى المحل والذهب الذي يتم بيعه.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في قراءة سوق الذهب؛ فارتفاع أسعار الذهب لا يعني بالضرورة زيادة الطلب على الشراء فقط، وإنما قد يدفع في الاتجاه المقابل أصحاب مدخرات قديمة إلى البيع والاستفادة من القيمة التي وصلت إليها ممتلكاتهم الذهبية.
السبائك والجنيهات والمشغولات.. الطلب لم يعد واحدً
وعن المنتجات الأكثر طلبًا، قال إبراهيم إن حركة السوق تشمل السبائك والجنيهات الذهبية والمشغولات والذهب المستعمل، مشيرًا إلى أن زيادة الوعي بالذهب كوسيلة للادخار والاستثمار ساعدت على توسع معرفة العملاء بالخيارات المتاحة أمامهم.
ولفت إلى أن الدعاية التي تقوم بها شركات السبائك وانتشار المحتوى المتخصص في الذهب عبر مواقع التواصل الاجتماعي أسهما في زيادة معرفة المستهلك، حتى أصبح جزء من العملاء يدخل إلى المحل وهو يمتلك تصورًا مسبقًا عما يريد شراءه.
وفي المقابل، لا يعني انتشار السبائك اختفاء الطلب على المشغولات؛ إذ يرى إبراهيم أن المستهلك أصبح يقارن بصورة أكبر بين الخيارات المختلفة، سواء من حيث الوزن أو المصنعية أو الغرض من شراء الذهب.
زبون الصاغة يدخل المحل والهاتف في يده
ومن أبرز التغيرات التي رصدها إبراهيم داخل المحل أن العميل أصبح أكثر بحثًا ومقارنة قبل اتخاذ قرار الشراء، موضحًا أن بعض العملاء يراجعون عددًا من المواقع والتطبيقات التي تعرض أسعار الذهب قبل الدخول إلى محل الصاغة.
وأشار إلى أن الزبون أصبح كذلك أكثر اهتمامًا بمشاهدة عدد أكبر من الموديلات والتصميمات قبل الاختيار، في تحول عن نمط الشراء التقليدي الذي كان يعتمد على المفاضلة بين عدد محدود من المشغولات المتاحة.
وتكشف هذه الملاحظة عن تغير أوسع في سوق الذهب، حيث لم تعد المنافسة بين المحال مرتبطة بالسعر وحده، وإنما امتدت إلى تنوع التصميمات وقدرة التاجر على توفير خيارات مختلفة أمام مستهلك أصبح أكثر اطلاعًا على ما تعرضه السوق.
اختلاف تطبيقات أسعار الذهب يربك بعض العملاء
وفي المقابل، يرى إبراهيم أن الانتشار الواسع لتطبيقات ومنصات أسعار الذهب خلق مشكلة أخرى أمام التجار، تتمثل في وجود اختلافات بين الأسعار المعروضة من منصة إلى أخرى.
وأوضح أن بعض العملاء يصلون إلى المحل وهم متمسكون بالسعر الذي شاهدوه على أحد التطبيقات، رغم أن أسعار الذهب تتحرك بصورة مستمرة، كما تختلف توقيتات تحديث الأسعار بين المنصات.
ووصف إبراهيم الأسعار المنشورة عبر تلك التطبيقات بأنها أسعار استرشادية بالنسبة للمستهلك، مشددًا على أهمية إدراك أن السعر الظاهر على شاشة الهاتف قد لا يعكس بالضرورة السعر الفعلي في اللحظة نفسها داخل السوق.
ماذا تكشف شهادة التاجر؟
وتتقاطع شهادة إبراهيم من داخل محل الصاغة مع مؤشرات ظهرت في السوق المصرية خلال الأسابيع الأخيرة بشأن زيادة عمليات إعادة بيع الذهب وارتفاع المعروض أمام بعض التجار، إلا أن حجم الظاهرة يختلف من محل إلى آخر وفقًا لحركة البيع والشراء والسيولة المتاحة.
وتكشف الصورة في مجملها عن تغير تدريجي في علاقة المستهلك المصري بالذهب؛ فإلى جانب استخدامه التقليدي للزينة والادخار، أصبح المعدن الأصفر بالنسبة لبعض الأسر احتياطيًا يمكن تحويله إلى سيولة عند زيادة الالتزامات، بينما تتعامل معه شريحة أخرى باعتباره استثمارًا يتطلب متابعة أسعار الذهب وتوقيتات الشراء والبيع.
وفي الوقت نفسه، أنتج انتشار التطبيقات ومواقع التواصل الاجتماعي نوعًا جديدًا من العملاء؛ أكثر متابعة للأسعار، وأكثر مقارنة بين السبائك والمشغولات، وأكثر بحثًا عن التصميم والسعر قبل دخول محل الصاغة، وهو تحول يفرض بدوره نمطًا جديدًا من المنافسة داخل سوق الذهب المصرية.