بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
نجدى عيسى
رئيس التحرير
وليد الغمرى

خاص| جغرافيا الغضب البيئي.. كيف يعيد المناخ رسم خرائط العالم؟

 الدكتور عبد الستار
الدكتور عبد الستار الخيوطي المدرس المساعد بقسم الجغرافيا

لم تعد التغيرات المناخية مجرد قضية بيئية ترتبط بارتفاع درجات الحرارة أو تغير أنماط الطقس، وإنما أصبحت عاملًا مؤثرًا في حركة السكان والموارد والعلاقات بين الدول، وبدأت تفرض أسئلة جديدة حول مستقبل المدن الساحلية، وأمن المياه والغذاء، والهجرة، وحتى شكل الحدود والنفوذ الجيوسياسي.

 

فمع تزايد موجات الجفاف والتصحر وارتفاع مستوى سطح البحر، إلى جانب الكوارث الطبيعية المتزايدة، تبدو الطبيعة وكأنها تفرض قواعد جديدة على الخريطة السياسية للعالم.

 

فهل يمكن أن يعيد المناخ رسم الخرائط التي صنعتها السياسة؟ وهل تتحول المياه والموارد الطبيعية إلى وقود لصراعات المستقبل؟ وماذا ينتظر المناطق الأكثر تعرضًا للمخاطر المناخية؟

https://www.baladnaelyoum.com/1148654

ومن خلال الحوار التالي مع  الدكتور عبد الستار حمدي الخيوطي المدرس المساعد بقسم الجغرافيا ونظم المعلومات الجغرافية والجيوماتكس بكلية الآداب جامعة الإسكندرية والجامعة الأهلية، والباحث في الجغرافيا السياسية والجيوماتكس، لــموقع " بلدنا اليوم "  عن التحولات التي يفرضها المناخ على الجغرافيا السياسية للعالم.

 

  • هل يمكن أن تعيد التغيرات المناخية رسم خريطة العالم السياسية؟

 

قال دكتور عبد الستار ، لم تعد الحدود السياسية التي نراها على الخرائط اليوم سوى خطوط رسمتها الاتفاقيات الدولية في لحظات معينة من التاريخ البشري، لكن خلف هذه الحدود توجد جغرافيا أخرى أكثر ثباتًا، هي جغرافيا الطبيعة.

 

واليوم نحن أمام مرحلة لم تعد فيها الجيوش وحدها من تغير شكل الخرائط، بل بدأت خطوط الأمطار، وزحف الرمال، وارتفاع منسوب البحار، إلى جانب الزلازل والبراكين والأعاصير والسيول، في التأثير على شكل العالم.

 

ووأضاف الخيوطي إننا نعيش بداية ما يمكن وصفه بـ"الجيوبوليتيك المناخي"، حيث أصبحت الخريطة البيئية عاملًا مؤثرًا في الخريطة السياسية، وأصبحت الطبيعة عنصرًا مهمًا في تحديد مصائر الدول والمجتمعات.

 

 

المياة .. من مورد للحياة إلى ملف جيوسياسي

 

  • هل يمكن أن تتحول التغيرات المناخية إلى سبب في صراعات مستقبلية بين الدول؟

 

وأوضح دكتور عبد الستارحمدي الخيوطي، أن   لطالما كانت الموارد الطبيعية أحد عوامل النزاعات، لكن التغيرات المقبلة قد تجعل الصراع على الموارد أكثر ارتباطًا بالبقاء نفسه.

 

ومع تزايد الجفاف والتصحر وشح المياه، يمكن أن تصبح الأنهار والموارد المائية العابرة للحدود نقاطًا أكثر حساسية في العلاقات بين الدول.

 

وأشار الخيوطي ، فكلما زادت ندرة الموارد، زادت الضغوط على الدول والمجتمعات، وأصبحت إدارة الموارد المشتركة أكثر أهمية، خصوصًا في المناطق التي تعتمد على الأنهار والمياه العابرة للحدود.

 

  • هل يمكن أن تصبح المياه أهم من النفط في صراعات المستقبل؟

 

وأكد الدكتور عبد الستار،  أن  المياه بالفعل أصبحت من أهم الموارد الاستراتيجية، ومع تزايد الضغوط المناخية والجفاف، يمكن أن تتحول الأنظمة المائية العابرة للحدود إلى نقاط اشتباك.

 

وأضاف الخيوطي،  وعندما تتحول الأنهار الدولية من شريان للحياة إلى مصدر للتوتر، تصبح المياه عنصرًا أساسيًا في الحسابات الجيوسياسية، وقد تكون أكثر أهمية من كثير من الموارد التي ارتبطت تاريخيًا بالصراعات.

 

القطب الشمالي ..ممرات جديدة وصراع على الموارد

 

  • وماذا عن ذوبان الجليد في القطب الشمالي؟ هل يمكن أن يفتح جبهة جديدة للصراع الجيوسياسي؟

 

أوضح ذوبان الجليد في القطب الشمالي لا يرتبط فقط بالتغير المناخي، وإنما يفتح أيضًا ممرات ملاحية جديدة ويكشف عن إمكانات وموارد طبيعية، وهو ما يزيد من أهميته الجيوسياسية،  ومن هنا أصبح القطب الشمالي مجالًا للتنافس بين قوى كبرى، مثل روسيا والولايات المتحدة وكندا، مع حضور متزايد للصين في الحسابات المتعلقة بالمنطقة.

 

وهكذا يتحول التغير المناخي من قضية بيئية إلى عامل يعيد ترتيب المصالح والنفوذ في مناطق مختلفة من العالم.

 

 

  • هل يمكن أن تصل الأمور إلى اختفاء دول أو مناطق كاملة بسبب ارتفاع مستوى سطح البحر؟

 

ولفت الدكتور عبد الستارالخيوطي، الباحث في الجغرافيا السياسية والجيوماتكس ، أن هذا أحد أخطر السيناريوهات التي تفرضها التغيرات المناخية، خاصة بالنسبة للدول الجزرية والمناطق الساحلية المنخفضة.

 

وتابع الخيوطي، أن هناك دول جزرية تواجه مخاطر متزايدة من ارتفاع مستوى سطح البحر، كما أن دلتا الأنهار الكبرى، ومنها دلتا النيل ودلتا البنغال، تواجه تحديات مرتبطة بارتفاع مستوى البحر وتغير الظروف المناخية.

 

وكشف عبد الستار، أن هنا تظهر مشكلة تتجاوز الجانب البيئي إلى الجانب السياسي والقانوني: ماذا يحدث لدولة إذا فقدت جزءًا كبيرًا من أراضيها أو أصبحت أراضيها مهددة بالغرق؟ وهل يمكن أن تستمر الدولة في ممارسة سيادتها وحقوقها رغم فقدان جزء من وجودها المادي؟

 

الهجرة المناخية .. ملايين البشر أمام واقع جديد 

 

  • وهل يمكن أن تؤدي التغيرات المناخية إلى موجات هجرة واسعة؟

 

قال الدكتور عبد الستار بالتأكيد، فحين تصبح بعض المناطق شديدة الحرارة أو تعاني من الجفاف أو نقص المياه أو تدهور الأراضي الزراعية، قد تصبح الحياة فيها أكثر صعوبة، وهو ما يمكن أن يدفع السكان إلى الانتقال إلى مناطق أخرى.

 

وأضاف أن هنا تظهر قضية "الهجرة المناخية" باعتبارها واحدة من أهم القضايا التي ستفرض نفسها على الدول، لأنها لا تتعلق فقط بالبيئة، وإنما بالاقتصاد والأمن والاستقرار الاجتماعي والسياسي أيضًا.

 

الأمن القومي .. من حماية الحدود إلى حماية الموارد

 

  • كيف يمكن أن يؤثر ذلك على مفهوم الأمن القومي؟

 

وأوضح أن مفهوم الأمن القومي نفسه بدأ يتغير. لعقود طويلة كان الأمن يرتبط بالحدود والجيوش والأسلحة، لكن التغيرات المناخية تفرض مفهومًا أوسع للأمن.

 

فالدولة لا تستطيع مواجهة إعصار بالدبابات، ولا تستطيع مواجهة الجفاف بالصواريخ، ولا تستطيع حماية أمنها الغذائي من دون إدارة مستدامة للموارد.

 

وأشار الخيوطي، لذلك أصبح الأمن المناخي والمائي والغذائي جزءًا أساسيًا من مفهوم الأمن القومي، وأصبحت قدرة الدولة على مواجهة الصدمات البيئية جزءًا من قدرتها على حماية مجتمعها ومصالحها.

 

مصر ودلتا النيل .. التغير المناخي في قلب الحسابات الجغرافية

 

  • وما الذي يعنيه ذلك بالنسبة لمصر خصوصًا مع موقع دلتا النيل؟

 

لفت دكتور عبد  الستار الخيوطي، أن  مصر من الدول التي يجب أن تنظر إلى التغيرات المناخية باعتبارها قضية تتعلق بالأمن المائي والغذائي والساحلي في الوقت نفسه.

 

وذكر الخيوطي، وأن دلتا النيل من المناطق التي تستحق اهتمامًا مستمرًا في ظل ارتفاع مستوى سطح البحر والتغيرات المناخية، إلى جانب أهمية حماية الأراضي الزراعية والمناطق الساحلية وإدارة الموارد المائية.

 

لذلك فإن التعامل مع التغيرات المناخية لا يجب أن يكون من منظور بيئي فقط وإنما يجب أن يكون جزءًا من التخطيط الجغرافي والاستراتيجي للدولة.

 

  • في النهاية.. هل نحن أمام عالم جديد تعيد فيه الطبيعة رسم الحدود؟

 

قال الدكتور عبد الستار حمدي الخيوطي، الباحث في الجغرافيا السياسية والجيوماتكس، أن  الخريطة السياسية للعالم ليست نصًا مقدسًا وإنما تتأثر بمدى قدرة الإنسان على التكيف مع البيئة.

 

واختتم الحوار الصحفي لــ" بلدنا اليوم" وإذا لم يستوعب صناع القرار أن حماية المناخ ترتبط بحماية الموارد والسيادة والاستقرار فإن الطبيعة ستواصل فرض حدودها الخاصة.

 

فالعدو القادم ليس بالضرورة خلف الحدود وإنما قد يكون في خلل بتوازن الكوكب يعبر القارات دون استئذان.

تم 

تم نسخ الرابط