السلطة الفلسطينية تحت الضغط.. إصلاح أمريكي أم تفكيك إسرائيلي؟ |خاص
تواجه السلطة الفلسطينية ضغوطا متزايدة تهدد قدرتها على مواصلة أداء أدوارها السياسية والأمنية، في وقت تتفاقم فيه أزمتها المالية مع احتجاز إسرائيل نحو 6 مليارات دولار من «عائدات المقاصة» التي تمثل المصدر الرئيسي لإيرادات السلطة، بالتزامن مع مواصلة تصعيدها العسكري في الضفة الغربية المحتلة. وتصاعدت الضغوط الإسرائيلية مع دعوة وزير المالية «بتسلئيل سموتريتش» إلى شن حرب على الضفة على غرار غزة ومطالبته بتفكيك السلطة، بينما تواصل الولايات المتحدة ودول أوروبية الضغط باتجاه إصلاحات سياسية ومؤسسية داخلها. الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن مستقبل السلطة الفلسطينية وما إذا كانت الضغوط المفروضة عليها تستهدف إعادة تشكيل دورها، أم إضعافها وإنهاء وجودها الفعلي.
طمس القضية الفلسطينية
وفي قراءة للمشهد، قال الدكتور «أمجد شهاب» - المحلل السياسي الفلسطيني، إن السلطة الفلسطينية نشأت في إطار مشروع سياسي يقوم على إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية باعتباره جزءا من تسوية لا تزال تحظى برعاية دولية، مضيفا أن السنوات الأخيرة شهدت بجانب الضغوط الإسرائيلية، ضغوطا أمريكية وأوروبية لإصلاح السلطة بشروط "تعجيزية" خاصة في ملف التعليم، معتبرا أن هذه الضغوط تستهدف تغيير وعي الشعب الفلسطيني عبر محاولة ترسيخ ثقافة جديدة ترفض مقاومة الاحتلال بالسلاح، بما يتجاهل حق الدفاع عن النفس الذي تكفله قواعد القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.
وأوضح أن هذه الضغوط الغربية تندرج ضمن مسار يستهدف "طمس القضية الفلسطينية"، وتحويلها من قضية شعب يسعى إلى تقرير مصيره إلى مجرد قضية إنسانية. وحذر من أن السلطة الفلسطينية تقف الآن أمام ثلاثة مسارات، أولها "انهيار ممنهج وتدريجي" مع تآكل قدرتها على أداء وظائفها، معتبرا أن أخطر الاحتمالات يتمثل في سيطرة الجيش الإسرائيلي على ما تبقى من مؤسسات السلطة ومقارها، بما يؤدي إلى إنهاء وجودها فعليا.

وأضاف شهاب خلال حديثه لـ«بلدنا اليوم» أن المسار الثاني يتمثل في "عملية إنقاذ مشروطة" لإصلاح السلطة بمختلف جوانبها السياسية والمالية والإدارية والأمنية بضغط أمريكي وأوروبي مع دعوة الدول العربية إلى تمويل عملية الإصلاح. وأوضح أن ذلك يتطلب إعادة تشكيل السلطة سياسيا وإعادة هيكلة مؤسساتها وهو ما يبدو بالغ الصعوبة، وفق تعبيره، في الظروف الراهنة، لافتا إلى أن السلطة الفلسطينية عملت على مدى ثلاثة عقود في إطار منظومة تقوم على "الزبائنية والفساد" قبل أن يُطلب منها الآن تنفيذ إصلاح جذري.
وتابع:"أما المسار الثالث فهو قد يتمثل في الإبقاء على السلطة باعتبارها "سلطة وظيفية" على غرار الإدارة المدنية الإسرائيلية في الضفة الغربية، مع استمرار تمويل مؤسساتها لتولي الخدمات الأساسية للسكان في المدن الفلسطينية والمناطق ذات الكثافة السكانية بما يخفف عن إسرائيل أعباء إدارة هذه المناطق", محذرا من أن هذا الوضع يحول السلطة إلى مجرد جهة لإدارة شؤون السكان خاصة في ظل الضغوط الإسرئيلية الأمريكية التي لا تتيح أفقا واضحا لتوحيد الفلسطينيين تحت سلطة واحدة.
وأكد أن هناك رؤيتين داخل إسرائيل تجاه السلطة الفلسطينية؛ الأولى تتبناها المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، وتقوم على الإبقاء على سلطة فلسطينية ضعيفة تواصل التنسيق الأمني في الضفة الغربية، بينما يتبنى اليمين المتطرف في الحكومة والمستوطنون رؤية تستهدف تفكيك السلطة وإنهاء وجودها، بما يحول دون وجود جهة تمثل الفلسطينيين أمام المجتمع الدولي وتحظى باعترافه، ويمنع استخدام هذا الاعتراف للضغط على واشنطن باتجاه مشروع للسلام.
وأشار إلى أن التهديد الإسرائيلي الأخير بشن حرب على الضفة يأتي ضمن خطة لإحداث الفوضى وملء الفراغ الأمني عبر وجود إسرائيلي مباشر يستهدف عزل المدن والمناطق الفلسطينية وتحويلها إلى «كانتونات» منفصلة بما يقوض إمكانية قيام الدولة الفلسطينية، معتبرا أن العامل الحاسم في مواجهة هذه التوجهات هو الموقف الإقليمي والأمريكي الذي حال حتى الآن دون إقدام إسرائيل على خطوات مباشرة وأكثر جرأة تجاه السلطة الفلسطينية، في ظل رفض واشنطن ضم الضفة الغربية وانتظارها طرح مشروع سلام إقليمي أوسع يحدد مستقبل الضفة.
ويرى شهاب أن إسرائيل تحظى بضوء أخضر أمريكي لمواصلة تصعيدها في الضفة الغربية، وأن المسار الإسرائيلي والأمريكي لا يستهدف مجرد إضعاف السلطة وإنما تقويض دورها وإنهاء وجودها الفعلي حتى في المنطقتين «أ» و«ب» رغم فرض إسرائيل سيطرة أمنية واسعة عليهما وتنفيذ اعتقالات ومداهمات يومية بحق المدنيين، بالتوازي مع حصار اقتصادي أضعف موقف السلطة داخل المجتمع الفلسطيني. مختتما حديثه بأن الانتخابات الفلسطينية المقبلة في نوفمبر قد تتيح تجديد شرعية النظام السياسي للسلطة لكنه رجح أن يمتد الضغط الإسرائيلي إلى محاولة منع إجرائها.

