ياسر السجان يكتب: ابن مصر العائد بالنور
حين نتحدث عن الفنان العالمي الدكتور عبد الرازق عكاشة فنحن لا نتحدث عن مجرد فنان رسم لوحة أو نحت تمثال بل نتحدث عن قصة وطن يسكن في قلب رجل وقصة رجل سكن قلبه وطن
سافر عكاشة في مقتبل العشرينات شاب نحيل يحمل حقيبة صغيرة وريشة كبيرة وحلم أكبر من باريس نفسها
ذهب إلى هناك حيث الفن لغة وحيث اللوحة تاريخ وحيث التمثال حياة وظل في باريس ما يقرب من ثلاثين عاما
ثلاثون عاما من الغربة والتعب والسهر والنجاح ثلاثون عاما صنع فيها اسمه بين كبار الفنانين في العالم ورفع علم مصر في أهم المحافل والمعارض الدولية وأصبح اسما يشار إليه بالبنان في متاحف أوروبا وصالوناتها
لكنه رغم كل هذا المجد لم يبدل جلده ولم ينس جذوره ولم يقطع حبل الحنين الذي كان يربطه بتراب مصر
كثيرون سافروا ولم يعودوا وكثيرون نجحوا في الخارج ونسوا الداخل أما عكاشة فقد كان استثناء حقيقيا لأنه ظل مصريا حتى النخاع في شوارع باريس وفي لياليها الباردة كان يحلم بالعودة
وعاد عاد بعد ثلاثين عاما لا ليستريح ولا ليجني ثمار ما زرع بل ليبدأ رحلة جديدة أكثر صعوبة وأكثر نبلا
عاد ليؤسس متحف دارنا ولم يكن المتحف مجرد جدران تعلق عليها اللوحات بل أراده مركزا للتنوير ومنارة للوعي وبيتا مفتوحا لكل طفل يحب الرسم ولكل شاب يحلم بالنحت
في زمن أصبحت فيه الثقافة سلعة والفن تجارة قرر عكاشة أن يقدم كل شيء دون مقابل
فتح ورشا مجانية لتعليم الرسم والنحت للأطفال والشباب وجلس معهم على الأرض قبل أن يجلسوا على الكراسي علمهم كيف يمسكون القلم وكيف يرون الجمال في أبسط الأشياء وكيف يحولون الطين إلى حكاية والحجر إلى روح
لم يكن يعلمهم الفن فقط بل كان يعلمهم الانتماء ويغرس فيهم أن الفن رسالة وأن الريشة سلاح وأن من يملك الجمال يملك القوة
والأعظم من كل ذلك أنه لم يكتف بتعليمهم بل تعهد أمام الجميع بأن يأخذ أعمال هؤلاء الأطفال والشباب ويعرضها في أهم المعارض العالمية في باريس وفي روما وفي برلين
ليقول للعالم إن مصر قادمة بأطفالها وإن المستقبل يصنع هنا في متحف صغير اسمه دارنا لكنه كبير بحلمه وكبير برسالته
متحف دارنا اليوم ليس متحفا فقط بل هو مدرسة وطنية تخرج أجيالا تعرف قيمة بلدها وتعرف أن الفن يمكن أن يكون طريقا للتنمية وطريقا للوعي وطريقا لمحاربة الظلام
الدكتور عبد الرازق عكاشة لم يعد فنانا عالميا فقط بل أصبح قدوة ومثل ورمز للعطاء الوطني
رجل ترك أضواء باريس ليضيء شمعة في قريته وترك مجد الشهرة ليصنع مجدا أكبر وهو مجد بناء الإنسان
تحية لهذا الفنان الكبير الذي أثبت أن حب الوطن ليس كلمات تقال في المناسبات بل هو عمل وعطاء وتضحية
وتحية لمتحف دارنا الذي أصبح اليوم مركزا حقيقيا للتنوير يذكرنا كل يوم أن مصر ستظل ولادة للعظماء وأن من يزرع الجمال في قلوب أطفالها يحصد وطنا أجمل وأقوى