خبير سياسي: إسرائيل تسعى إلى فرض واقع أمني جديد في الجنوب وتوسيع نطاق عملياتها العسكرية
يرى الدكتور علاء السعيد، الخبير السياسي، أن الموقف الإسرائيلي تجاه لبنان أصبح أكثر وضوحًا خلال المرحلة الحالية، مشيرًا إلى أن إسرائيل لم تعد تنفذ عمليات عسكرية بهدف الرد على هجمات حزب الله فحسب، بل تتبنى سياسة تستهدف تثبيت واقع أمني جديد في جنوب لبنان، مع الاحتفاظ بالقدرة على توسيع عملياتها متى رأت أن مصالحها الأمنية تتطلب ذلك.
ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الوضع في لبنان
وأوضح السعيد أن السيناريوهات المتوقعة حتى نهاية عام 2026 تتمثل في ثلاثة مسارات رئيسية.
السيناريو الأول: استمرار الوضع العسكري والأمني القائم
ويقوم هذا السيناريو على بقاء القوات الإسرائيلية في المناطق التي تسيطر عليها جنوب لبنان، مع استمرار الضربات ضد مواقع حزب الله التي تعتبرها إسرائيل تهديدًا لأمنها. ويعني ذلك استمرار حالة التوتر، رغم التفاهمات القائمة لوقف إطلاق النار.
السيناريو الثاني: توسيع المنطقة الأمنية الإسرائيلية
ويزداد احتمال هذا السيناريو، خصوصًا إذا تجددت المواجهة المباشرة مع حزب الله، أو انخرط الحزب في مواجهة إقليمية مرتبطة بإيران.
وأشار السعيد إلى أن هذا الاحتمال أصبح أكثر وضوحًا عقب تهديد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في 14 أكتوبر، بالسيطرة على أراضٍ إضافية باتجاه النبطية ونهر الليطاني، إذا شارك حزب الله في هجوم إيراني على إسرائيل.
السيناريو الثالث: التوصل إلى تسوية أمنية تدريجية
ويستند هذا المسار إلى انتشار الجيش اللبناني وتراجع الوجود العسكري لحزب الله، مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي. غير أن نجاحه يظل مرهونًا بتنفيذ تفاهمات يونيو 2026، ومدى استعداد الأطراف المعنية لتقديم ضمانات متبادلة.
إسرائيل تسعى إلى فرض واقع أمني جديد في الجنوب
وفيما يتعلق بحقيقة الموقف الإسرائيلي، شدد السعيد على ضرورة التمييز بين ما تعلنه تل أبيب وما تسعى إلى تحقيقه على الأرض.
وأوضح أن إسرائيل تعلن أن هدفها يتمثل في منع حزب الله من إعادة بناء قدراته العسكرية وتهديد شمال إسرائيل، لكنها تربط انسحاب قواتها عمليًا بترتيبات أمنية تضمن عدم عودة الحزب إلى المناطق الحدودية.
وأضاف أن القضية لم تعد تقتصر على إبعاد حزب الله إلى شمال نهر الليطاني، بل أصبحت مرتبطة بتحديد الجهة التي تمتلك السيطرة الأمنية الفعلية على جنوب لبنان، والطرف الذي يحدد طبيعة التهديدات التي تبرر التدخل العسكري مجددًا.
ولفت إلى أن إسرائيل تحاول الانتقال من سياسة الردع التقليدي إلى التدخل الاستباقي، بحيث لا تنتظر وقوع هجوم للتحرك، وإنما تسعى إلى الاحتفاظ بحق تنفيذ عمليات عسكرية متى اعتبرت أن حزب الله يعيد بناء قدراته. وهو ما يثير إشكالية خطيرة تتعلق بالسيادة اللبنانية واستمرار الوجود العسكري الإسرائيلي.
احتواء حزب الله وتقليص النفوذ الإيراني
وأشار السعيد إلى أن الأهداف الإسرائيلية الأوسع لا تقتصر على جنوب لبنان، موضحًا أن إسرائيل تدرك أن القضاء الكامل على حزب الله عسكريًا ليس هدفًا سهل التحقيق، ولذلك يبدو أنها تتجه نحو استراتيجية تقوم على احتوائه عسكريًا، والضغط على الدولة اللبنانية لتولي مسؤولية حصر السلاح بيد مؤسساتها الرسمية، بما يحد من استقلالية القرار العسكري للحزب.
وأضاف أن هذا التوجه يستهدف، من المنظور الإسرائيلي، تقليص القيمة الاستراتيجية لحزب الله ضمن منظومة الردع الإيرانية، باعتبار أن طهران تنظر إلى الساحة اللبنانية بوصفها إحدى أهم ساحات نفوذها الإقليمي.
وأكد السعيد أهمية عدم الخلط بين سعي إسرائيل إلى إضعاف النفوذ الإيراني ورغبتها في خوض حرب مباشرة جديدة مع طهران، موضحًا أن الموقف الإسرائيلي الحالي يبدو قائمًا على استمرار الضغط والتهديد بالتصعيد، مع ربط أي توسع عسكري كبير بالتطورات الميدانية والإقليمية.
انتهاء مهمة اليونيفيل يثير تساؤلات بشأن مستقبل الجنوب
واعتبر السعيد أن النقطة الأكثر خطورة خلال الفترة المقبلة تتعلق بمستقبل الوجود الإسرائيلي في جنوب لبنان، خصوصًا مع اقتراب انتهاء مهمة قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل» بنهاية عام 2026.
وأوضح أن غياب ترتيبات دولية بديلة وفعالة قد يزيد من تعقيد الوضع الأمني، ويفتح الباب أمام استمرار السيطرة العسكرية الإسرائيلية على أجزاء من الجنوب لفترة أطول.
السيادة اللبنانية تحدد فرص الاستقرار الدائم
واختتم السعيد تصريحاته بالتأكيد أن إسرائيل تحاول فرض معادلة واضحة، تقوم على إخضاع جنوب لبنان لترتيبات أمنية تضمن إبعاد حزب الله عن الحدود، أو استمرار وجودها العسكري وعملياتها تحت ذريعة منع التهديدات الأمنية.
وشدد على أن تحويل هذه المعادلة إلى استقرار دائم يظل أمرًا غير مضمون، مشيرًا إلى أن أي ترتيبات لا تراعي السيادة اللبنانية ولا تحظى بقبول داخلي واسع قد تتحول إلى مصدر جديد للصراع بدلًا من أن تكون مدخلًا لإنهائه.

