ياسر السجان يكتب: اتحدوا قبل الطوفان
الوطن العربي اليوم ليس في أزمة عابرة بل في محنة وجودية حقيقية محنة صنعت بليل وخطط لها في غرف مغلقة ونفذت بأدوات معلومة للجميع فما يحدث في فلسطين ولبنان وسوريا واليمن والسودان وليبيا والعراق ليس صدفة ولا هو صراعات داخلية منفصلة بل هو حلقات في سلسلة واحدة عنوانها تصدير الأزمات وتفتيت المنطقة وإعادة رسم خرائطها بالقوة وبالنار وبالدم
إن إسرائيل منذ نشأتها لا تعيش إلا على الأزمات ولا تنمو إلا على أنقاض الدول ولا تستقر إلا إذا كان ما حولها مشتعلا فهي كيان قائم على فكرة التوسع والعدوان وفكرة أن أمنها يتحقق فقط عندما يكون العرب ضعفاء منقسمين متناحرين مشغولين بجراحهم الداخلية عن قضيتهم المركزية وهي فلسطين ولذلك كان تصدير الأزمات هو العقيدة الثابتة لكل حكوماتها المتعاقبة سواء كانت يمينية أو يسارية فالهدف واحد وهو إشغال العرب بأنفسهم حتى تنفرد إسرائيل بفلسطين وبالقدس وبالمقدسات وحتى تفرض أمرا واقعا جديدا لا يمكن التراجع عنه
والذي يمنح إسرائيل هذه القدرة على تصدير الأزمات ويمنحها غطاء دوليا يحميها من العقاب ومن القانون الدولي هو الرعاية الأمريكية الكاملة والمطلقة فالولايات المتحدة الأمريكية لم تكن يوما وسيطا نزيها ولا حكما عادلا بل كانت دائما شريكا كاملا في العدوان وداعما بلا حدود بالمال والسلاح والفيتو وبالتغطية السياسية والإعلامية فكل القنابل التي تسقط على غزة وعلى جنوب لبنان وعلى سوريا تحمل ختما أمريكيا وكل القرارات التي تمنع إدانة إسرائيل في مجلس الأمن تحمل توقيعا أمريكيا وكل الدعم الاقتصادي والعسكري الذي يجعل إسرائيل تتفوق على كل العرب مجتمعين مصدره واشنطن
إن واشنطن وتل أبيب تدركان أن قوة العرب الحقيقية تكمن في وحدتهم ولذلك كانت الخطة الجهنمية هي ضرب هذه الوحدة بكل الوسائل فتم تقسيم العراق وتم تدمير سوريا وتم إشعال اليمن وتم إغراق ليبيا وتم استنزاف السودان وتم حصار مصر اقتصاديا وإعلاميا وتم إلهاء الخليج بصراعات جانبية والهدف النهائي هو أن يصبح الوطن العربي مجموعة جزر منعزلة كل جزيرة تخاف على نفسها وتطلب الحماية من الخارج بل وتطلب الحماية من أمريكا نفسها التي هي سبب الأزمة في الأصل وهذه هي قمة المأساة أن يصبح الجلاد هو من نطلب منه الحماية
إن إسرائيل برعاية أمريكا لا تريد سلاما حقيقيا في المنطقة بل تريد استسلاما كاملا تريد تطبيعا مجانيا بلا ثمن تريد أن يعترف العرب بأن فلسطين لم تعد قضيتهم وأن القدس لم تعد عاصمتهم وأن الأقصى لم يعد مسجدهم وكنيستهم تريد أن ينسى العرب أن هناك شعبا كاملا يذبح كل يوم أمام كاميرات العالم وأن هناك أطفالا يموتون جوعا وقصفا وأن هناك أرضا تسرق كل يوم لبناء مستوطنات جديدة وكل هذا يحدث تحت رعاية أمريكية كاملة تزعم أنها راعية السلام وهي في الحقيقة راعية الفوضى وراعية الدمار
إن ما يجب أن يدركه العرب اليوم قبل فوات الأوان هو أن الرهان على الحماية الأمريكية رهان خاسر وأن الرهان على الوعود الإسرائيلية رهان انتحاري فأمريكا لا تحمي إلا مصالحها وإسرائيل لا تحترم إلا القوة والعرب اليوم يملكون كل مقومات القوة لو توحدوا يملكون الأرض والماء والغاز والبترول والموقع الجغرافي والعمق الحضاري والشعوب الشابة والجيوش القوية ولكنهم يفتقدون القرار الموحد والإرادة الموحدة والكلمة الواحدة
إن التوحد العربي لم يعد خيارا سياسيا ولا ترفا فكريا بل أصبح ضرورة وجودية وفريضة قومية فإما أن نتوحد الآن ونقف صفا واحدا خلف قضايانا المصيرية ونعيد بناء نظام أمني عربي مشترك يحمي حدودنا ويحمي ثرواتنا ويحمي قرارنا وإما أن نبقى متفرقين ننتظر دورنا في طابور التفتيت والانهيار فالدور سيأتي على الجميع دون استثناء فمن ظن أن النار بعيدة عنه لأنها اليوم في بيت جاره فهو واهم فالنار إذا لم نطفئها ستأكل الجميع
إن وحدة العرب تبدأ من موقف سياسي موحد تجاه ما يحدث في فلسطين ومن مقاطعة اقتصادية حقيقية لمن يدعم العدوان ومن مشروع عربي مشترك للاكتفاء الذاتي من الغذاء والسلاح والدواء ومن إعلام عربي موحد يكشف زيف الرواية الإسرائيلية ويكشف حقيقة الدعم الأمريكي للعدوان ومن جيش عربي موحد أو على الأقل تنسيق عسكري حقيقي يمنع إسرائيل من الاستفراد بدولة عربية واحدة تلو الأخرى
ختاما نقول إن التاريخ لا يرحم وإن الأجيال القادمة لن تغفر لنا إذا ضيعنا فلسطين وضيعنا العراق وضيعنا سوريا وضيعنا السودان وضيعنا أنفسنا بسبب خلافات صغيرة وصراعات وهمية صنعها لنا العدو حتى لا نتوحد فإسرائيل تريدنا ضعفاء وأمريكا تريدنا تابعين ولكن مصلحة شعوبنا تريدنا أقوياء موحدين فهل نستيقظ قبل فوات الأوان أم ننتظر حتى نصبح جميعا لاجئين على أبواب أوطان كنا نملكها وضيعناها بأيدينا عندما تركنا العدو يصدر لنا أزماته ونحن نتفرج