بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
د/إلهام صلاح
رئيس التحرير
وليد الغمرى

"ترميم العولمة": ملامح النظام التجاري العالمي الجديد في ظل سياسات الحماية الجمركية

بلدنا اليوم

لم يعد الحديث في عام 2026 عن "نهاية العولمة"، بل بدأ عصر جديد يدور حول "إعادة هندستها وترميمها". 

يأتي هذا التحول بعد عقود من الانفتاح المطلق الذي كان يتحكم فيه معيار الكفاءة وخفض التكاليف فقط؛ حيث يشهد العالم الآن واقعاً اقتصادياً وتحدياً يتصدره مفاهيم "الأمن القومي" و"سيادة سلاسل الإمداد".

إن ما نعيشه اليوم هو عملية ترميم اضطرارية لنظام تجاري عالمي، تضرر بفعل الحروب الجمركية، والتوترات الجيوسياسية التي تُعيق المنطقة، والتحولات النقدية الكُبرى.

 شهدت بدايات عام 2026 تحولاً دراماتيكياً في تقديرات المؤسسات الدولية؛ فبينما كان العالم يظن أنه سيشهد زخماً اقتصادياً بعد الجائحة، أدت السياسات الحمائية المتصاعدة إلى مراجعات قاسية أثرت على الاقتصاد العالمي وحجم التجارة.

منظمة التجارة العالمية تدق ناقوس الخطر

 

في بيانات صادمة، أعلنت منظمة التجارة العالمية (WTO) في تقريرها المحدث بداية العام عن تراجع توقعاتها لنمو التجارة السلعية العالمية إلى 0.5% فقط، بعد أن كانت التقديرات السابقة تشير إلى وصولها لـ 2%.

ويعود هذا التباطؤ الكبير والحاد إلى ما يعرف بـ "أثر الاستباق"؛ حيث قامت الشركات مع نهاية عام 2025 بشحن كميات ضخمة من البضائع وتخزينها قبل دخول الرسوم الجمركية الأمريكية الصارمة حيز التنفيذ.

 تسبب هذا في "فراغ تجاري" ملحوظ مع بداية 2026، وهو أمر غير مألوف أن يبدأ عام جديد دون تحركات تجارية تذكر، إلا من تحركات طفيفة لشركات تأخرت في عمليات الشحن الاستباقي.

حروب التعريفات وانكماش القطاع التقني

 

إلى جانب تقارير المؤسسات الدولية، تُشير بيانات التعريفات الجمركية المتبادلة بين واشنطن وبكين إلى وصولها لأعلى مستوياتها التاريخية.

 تسبب هذا الصدام في انكماش كبير وغير مألوف في أحجام التبادل التجاري بنسبة تتخطى 12% في القطاعات التقنية وحدها، مما يعكس عمق الفجوة في النظام التجاري الجديد.

ويظهر الاقتصاد العالمي في 2026 تناقضاً غريباً؛ فهو "أقل قدرة على تحقيق النمو، لكنه في الوقت نفسه أكثر قدرة على الصمود". 

وبحسب "إندرميت جيل"، رئيس الخبراء الاقتصاديين بمجموعة البنك الدولي، فإن حالة "عدم اليقين" حول السياسات التجارية تتسبب في خلل مالي عام يمتد لأسواق الائتمان العالمية.

نمو هش في عالم "مجتزأ" وصراع التضخم

 

أما صندوق النقد الدولي (IMF)، فقد أشار في تقريره السنوي "آفاق الاقتصاد العالمي" إلى أن الاقتصاد العالمي ينمو بمعدل 3.1% خلال 2026. وهو رقم يثير التساؤل؛ فبينما نتحدث عن تباطؤ التجارة، يظهر هذا النمو كـ"تحدٍ كبير" بالنظر إلى مخاطر تفتت الحيز التجاري.

ولم يتجاهل الخبراء أزمة تفتت سلاسل الإمداد؛ حيث تشير تحذيرات البنك الدولي إلى أن هذا التفتت قد يُكلف الناتج المحلي العالمي خسائر تصل لـ 7% على المدى الطويل.

 كما أدت الرسوم الجمركية المرتفعة إلى ظهور ما يسمى بـ "التضخم المستورد"؛ مما اضطر الشركات لنقل التكلفة إلى المستهلك النهائي. 

ورغم انخفاض التضخم العالمي العام لـ 3.1%، إلا أن "تضخم السلع المحمية" (التي تخضع لجمارك) لا يزال في أعلى مستوياته.

الفيدرالي الأمريكي وسيف "الحماية" ذو الحدين

 

تؤكد القراءات الاقتصادية أن السياسات الحمائية في 2026 تعمل كـ "سيف ذو حدين"؛ فالقوى الكبرى تحاول حماية صناعاتها، لكن هذه الإجراءات ترفع الأسعار وتزيد الضغوط التضخمية، وهو ما أكده الخبير الاقتصادي "نهاد إسماعيل"، موضحاً أن المستهلك يجد نفسه عالقاً في "حرب تجارية" لا يد له فيها.

وفيما يخص السياسة النقدية، أشارت التوقعات الدولية إلى أن "الفيدرالي الأمريكي" قد يتجه لخفض واحد فقط للفائدة خلال العام، ليصل المستهدف إلى منطقة 3% - 3.25%.

 ورغم هذا الخفض الطفيف، فإن البقاء على مستويات فائدة مرتفعة نسبياً يُعزز قوة الدولار، مما يجعل الواردات الأمريكية أرخص (ويخفف أثر الجمارك جزئياً)، ولكنه في المقابل يضعف تنافسية الصادرات الأمريكية ويضغط بشدة على ديون الدول الناشئة المقومة بالدولار.

الرابحون من "الترميم" وسباق التكنولوجيا السيادية

 

في نهاية مشهد "ترميم العولمة"، تبرز دول مثل فيتنام والهند والمكسيك كأكبر المستفيدين. 

وتُشير بيانات "الأونكتاد" لعام 2026 إلى أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر لهذه الدول نمت بنسبة 15% نتيجة نقل الشركات لمصانعها من الصين لتجنب المقص الجمركي الأمريكي.

وعلى صعيد السيادة التقنية، رصدت التقارير الدولية دعماً حكومياً ضخماً بميزانيات وصلت لـ 800 مليار دولار (تراكمياً حتى 2026) لتعزيز التصنيع المحلي لأشباه الموصلات، في سباق محموم لضمان استقلالية التكنولوجيا بعيداً عن تقلبات التجارة العالمية.

تم نسخ الرابط