صالح المسعودي يكتب: أخاك الحق
كنت وما زلت مؤمناً وموقناً بأن هناك علاقات إنسانية تفوق علاقة الأخوة بالنسب المتعارف عليها ، فالصداقة و(الأخوة الصادقة) تفوق أي علاقة أخرى ففيها يقول أحدهم ( رب أخٍ لك لم تلده أمك)، فعلاقة الأخوة بالنسب ليست كل شيء في عملية القرب من الشخص وخاصة من قلبه ، فكما يصف أحد أصدقائي تلك العلاقة بقوله (أخاك الحق من كان معك ومن شتت فيك شمله ليجمعك) ، بالتأكيد هي كلمات تكتب بماء الذهب فقد خرجت من لسان حكيم صقلته تجارب الحياة.
فالصداقة الحقة والأخوة الصادقة تظهر في معادن الرجال وتصرفاتهم وقت الأزمات ، فالأزمات هي مفرزة الرجال وهي أيضاً من تظهر عدوك من صديقك كما قال أحدهم ( جزى الله الشدائد عني كل خيرٍ تعلمني عدوي من صديقي ) فقد تُفاجأ بأن أقرب ما لك يتخلى عنك في الوقت الذي تجد فيه من هم بعيدون بالنسبة للنسب أقرب إليك وقت الأزمة بل ويضحوا من أجلك بالغالي والنفيس.
قد يكون سبب حديثي عن هذا الأمر من منطلق تجاربي الكثيرة في الحياة ، فقد وهبني ربي نعمة ( الإصلاح بين الناس ) مما أمدني بحصيلة كبيرة من التجارب التي أشاهدها بشكل شبه يومي من خلال ما يعرض علي من مشكلات ، وبالرغم من أن هناك عادات وتقاليد في ريفنا الجميل وفي صعيد مصر رمز الأصالة من أنه يجب أن تقف مع صاحب القربى وقت شدته أو أزمته ، حتى لو شاب علاقتكما ما يعكر الصفو فأبن الأصول في أي مكان وزمان يتناسى غضبه ( وزعله ) وقت الاحتياج إلى وقفته فإن هو فعلها كانت ضوء مشع في مسيرته في الحياة وإن هو غالبته نفسه ولم يقف وقت الشدة ولو كانت مجاملة بسيطة كانت كنكتة سوداء في مسيرته في الحياة حتى ولو لم يكن هو يراها ، ولكن بالتأكيد تكون واضحة للجميع إلا هذا الشخص لأنه بالتأكيد لن يرى الجانب المظلم من شخصيته وهيهات هيهات أن تجد في أيامنا هذه من يحافظ على تلك العادات الجميلة (إلا من رحم ربي).
وأعود للصداقة الصادقة التي لا تحتاج إلا للمحبة لوجه الله تعالى ( فما كان لله دام واتصل وما كان لغيره انقطع وانفصل ) ، فالصداقة والأخوة الصادقة لا تقوم على المصلحة ولا بمقابل مادي وإلا تنتهي بنهاية العلاقة المادية ، ولكن الأخوة والصداقة تستمر برباط خاص يقويه الاحترام والصدق في الوصل الذي يجعلك تقدم مصلحة صديقك على مصلحتك بل وتسعد بتقدمه وسعادته وتشاركه أحزانه وتتمنى أن تعمل كل ما في وسعك لتجنيبه ما يحزنه أو يغضبه كأنه نفسك التي بين جنبيك.
قد تكون الكلمات سهلة في الوقت الذي يكون فيه التنفيذ في غاية الصعوبة وخاصة في أيامنا هذه التي شابها الكثير من المفاهيم المريضة ، ولهذا تجد أنه من الصعب أن تجد الصديق الصدوق والأخ الذي يحبك في الله ، ولكن نصيحتي لك ألا تبحث في عيوب الأصدقاء كثيراً فمن الصعب أن تجد صديقاً بلا عيوب ، فعليك أن تجتنب تلك العيوب وتنمي المحاسن التي تجدها في هذا الصديق حتى لا ترى عيوبه ، بل أنني أطلب منك ألا تفقد أنصاف الأصدقاء فنحن في مرحلة قد لا يجود عليك الزمان حتى بأنصاف الأصدقاء ، وحاول أن تبدأ بنفسك فجملها بحسن المعاشرة مع الغير وعودها على أن تقدم أنت للغير كل ما تحب أن تراه فيهم وابدأ بنفسك ففاقد الشيء لا يعطيه ولا يجب أن ينتظره من الغير ، وبمعنى آخر كن أنت الصديق الصدوق للجميع وستقابل حتماً من يستحق أخوتك وصداقتك (دمتم بخير).


