التصعيد الإسرائيلي في الضفة وغزة.. هل يجري تشكيل واقع فلسطيني جديد؟ |خاص
تزداد حدة التوترات والتصعيد العسكري في الأراضي الفلسطينية بالتوازي مع استمرار الحرب الإسرائيلية الأمريكية ضد إيران، حيث تشهد الضفة الغربية المحتلة اعتداءات إسرائيلية مكثفة عبر تشديد الحصار وغلق الطرق وتكثيف حملات الاعتقال والمداهمات شبه اليومية، بالإضافة إلى فرض إجراءات تعسفية منذ بدء الحرب وأخطرها غلق المسجد الأقصى وباحاته أمام المصلين منذ يوم 28 فبراير الماضي حتى اللحظة، في خطوة لم تحدث منذ حرب 1967 وذلك بذريعة فرض حالة طواريء أمنية.
وفي قطاع غزة قللت تل أبيب عدد شاحنات المساعدات الإنسانية التي تدخل القطاع لتصل إلى 100 شاحنة فقط، بدلا من 270 شاحنة والتي كانت تسمح بدخولها قبل بدء الحرب على إيران، وسط ظروف إنسانية كارثية يعيشها سكان القطاع، فيما يواصل الجيش الإسرائيلي استهدافاته وغاراته شبه اليومية في قطاع غزة منتهكا اتفاق وقف إطلاق النار بشكل سافر ما أدى لسقوط عشرات القتلى والمصابين ومعظمهم مدنيين وبلا مبرر. الأمر الذي يطرح سؤالا جوهريا: هل يُمثل التصعيد الإسرائيلي الجاري بغزة والضفة استغلالا مؤقتا لأزمة إقليمية أم مرحلة جديدة لإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني؟
فرض واقع جديد
في هذا السياق، قال الدكتور «نزار نزال» - خبير الشؤون الإسرائيلية، إن إسرائيل تمضي قدما في “فرض واقع جديد” على الأرض وإفراغ فلسطين من مضمونها الجغرافي والسياسي، وذلك بالتصعيد العسكري المتواصل وفرض السيطرة الأمنية والإجراءات التعسفية بغزة والضفة الغربية، مشيرا إلى أنها تكثِّف انتهاكاتها في ظل غياب أي إجراءات دولية رادعة لها إلى جانب انشغال العالم بالحرب على إيران وتداعياتها الاقتصادية العنيفة.
وأوضح أن التصعيد الإسرائيلي في غزة يحدث بوتيرة تدريجية بحيث لا يصل إلى حد تفجُّـر الأوضاع، وفي الوقت نفسه لا ينخفض لمستوى التهدئة الشاملة، لافتا إلى أن تل أبيب تخشى أن تُحمِّلها التهدئة الشاملة أثمانا سياسية كبيرة، إذ ستضطر حينها لتنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية من خطة السلام وسحب جيشها من مناطق سيطرته والتي تجاوزت 53% من مساحة قطاع غزة، وهو ما يُمثِّل خسارة فادحة ويعرقل مخخطها في السيطرة الدائمة على القطاع.
وأشار نزال في تصريحات خاصة لـ«بلدنا اليوم»، إلى أن حركة حماس تحاول الحفاظ على حالة "ضبط النفس" تجاه التصعيد والانتهاكات المتزايدة وتجنُّب الرد العسكري لعدم منح إسرائيل أي مبرِّر لتوسيع هجماتها، كما أنها تتعرض - حسب وصفه - لضغوط كبيرة لكي تسلم سلاحها استكمالا لبنود المرحلة الثانية، وبما يضمن التزام الجيش الإسرائيلي بالانسحاب من غزة وبدء مرحلة إعادة الإعمار، مشددا على أن الحركة سترد عسكريا بقوة إذا تطور التصعيد الجاري في القطاع إلى تنفيذ عمليات برية.
وأضاف: “لا يمكن التعويل على موقف الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» تجاه تلك التطورات والانتهاكات المتزايدة”، معتبرا أن ترامب ينظر إلى واقع غزة من منظور اقتصادي بحت بالنسبة لرؤيته، ومن منظور أمني استعماري بالنسبة لإسرائيل، وأنه لا يعنيه إيجاد حل سياسي حقيقي لتسوية القضية الفلسطينية، لافتا إلى أنه لو كانت هناك نوايا أمريكية جادة للتوصل إلى حل لكانت لجنة إدارة غزة تمكنت من دخول القطاع وتولي عملها منذ تشكيلها في يناير الماضي.
ويرى نزال أن الأوضاع فى غزة ستظل مجمدة لفترة، بينما تُسابق إسرائيل الزمن لفرض واقع جديد بالضفة عبر تقطيع أوصالها وضم مزيد من أراضيها خاصة بعد اعتمادها قرار تسجيل أراضي الضفة كـ«أملاك دولة» إسرائيلية منتصف فبراير الماضي، في محاولة لفرض واقع يتعذر معه تطبيق حل الدولتين بما يُمهِّد لتصفية القضية الفلسطينية نهائيا وفق مخططاتها.
إسرائيل الكبرى
من جانبه، أكد الدكتور «حاتم الجوهري» - أستاذ الدراسات العبرية بجامعة عين شمس، أن التصعيد الإسرائيلي الجاري في غزة والضفة لا علاقة له بانشغال العالم بالحرب الإيرانية، لافتا إلى أن تل أبيب لا تُلقي بالا بالمجتمع الدولي العاجز تماما عن ردعها ووقف انتهاكاتها السافرة للأعراف والقوانين الدولية وخطواتها السياسية والعسكرية غير الشرعية.
وأوضح أن ما يحدث على الأرض حاليا يمثل محاولة لفرض واقع جديد برعاية ترامب، وذلك ضمن التصور الأمريكي - الصهيوني لإقامة دولة "إسرائيل الكبرى"، علما أن ترامب قد ذكر في بداية ولايته الثانية أن إسرائيل دولة "صغيرة للغاية" مقارنة بالدول المجاورة لها، في إشارة إلى وجود رغبة بتوسيع مساحتها.
وأشار الجوهري خلال حديثه لـ«بلدنا اليوم»، إلى ما وصفه بـ "هشاشة مسار التسوية القائم" بين حماس وإسرائيل والوسطاء لتنفيذ خطة السلام، معتبرا أن ما تفعله إسرائيل حاليا وما تفرضه على الأرض لا يعكس وجود مسار تسوية حقيقي من شأنه وقف الإنتهاكات الإسرائيلية وإنهاء معاناة الشعب الفلسطيني، واصفا ما يحدث الآن بأنه يمثل "عقابا جماعيا" تفرضه إسرائيل على الفلسطينيين، متذرعًة بـ "رفض حماس لصفقة سلام" كما تدَّعي، واستهدافا مباشرا لمواطن القوة والتماسك الفلسطيني في الداخل، ومواطن القوة والتماسك العربي والإسلامي على جبهات متفرقة في الخارج.
وأضاف: "تل أبيب تطبق حاليا استراتيجية "السخونة المستمرة" على جبهتي غزة والضفة وبشكل تدريجي وممنهج لحين تحقيق رؤيتها لـ "الصهيونية الإبراهيمية" والشرق الأوسط الجديد"، لافتا إلى أن التطورات الجارية في المنطقة بفعل إسرائيل تعكس - وفق تقديره - “انتقالا من مرحلة التطبيع السياسي والأيدولوجي إلى مرحلة فرض السيادة الجيوسياسية الإسرائيلية على فلسطين والشرق الأوسط”.
ويرى الجوهري أن الظرف التاريخي الراهن مناسب جدا لإسرائيل ويخدم سياساتها الإجرامية التوسعية، ويمنحها فرصة غير مسبوقة لتفجير الخلافات والتناقضات داخل الحاضنة العربية والإسلامية بما يسمح لها بالمضي قدما في تنفيذ مخططاتها بالمنطقة والشرق الأوسط، وأبرزها تصفية القضية الفلسطينية نهائيا عبر فرض سيادتها على الضفة الغربية وقطاع غزة.

