إسرائيل تواصل إغلاق المسجد الأقصى لليوم الـ 32 على التوالي.. هل تفرض واقعًا جديد؟|خاص
تواصل إسرائيل إغلاق المسجد الأقصى لليوم الـ 32 على التوالي وذلك عقب فرض حالة الطواريء الأمنية تزامنا مع بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير الماضي، وهو ما حرم المسلمين من أداء شعائرهم خاصة خلال شهر رمضان المنقضي في سابقة خطيرة لم تحدث منذ حرب 1967, ويأتي هذا الإجراء في ظل غياب الاهتمام الإعلامي بما يجري في القدس والضفة الغربية نتيجة انشغال العالم بالحرب الدائرة وتداعياتها الكارثية.
وبين مبررات أمنية تدعيها تل أبيب لتسويغ هذا الإجراء وظهور مؤشرات تكشف وجود رغبة لاستهداف المسجد وإلصاق الاتهام بإيران, وتصاعد تحذيرات من التداعيات الخطيرة لهذا التصعيد الإسرائيلي، يبرز السؤال: ما هي أهداف إسرائيل الحقيقية من إغلاقها المستمر للمسجد الأقصى حتى اللحظة؟ وهل يمثل ذلك تمهيدا لتغيير وضعه القانوني والتاريخي؟
لحظة تاريخية
في هذا السياق، قال الدكتور «أكرم عطالله» - الكاتب والباحث السياسي، إن تل أبيب تستغل انشغال الإعلام الإقليمي والعالمي بالحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران وتعتبره “فرصة ذهبية للمضي قدما في فرض واقع جديد بالضفة الغربية عموما وبشكل خاص بالمسجد الأقصى, وتهيأة الرأي العام لتلك الإجراءات”، مؤكدا أن ما يحدث حاليا يمثل توظيفا لـ "لحظة تاريخية" بهدف تمرير مشروع قديم ذي طابع توراتي.
وأوضح أن إسرائيل رغم تبريرها إغلاق المسجد بدعوى فرض حالة الطواريء الأمنية نتيجة الحرب على إيران, وخشيتها من تعرض التجمعات الكبيرة للمصلين بالمسجد وباحاته لهجمات محتملة في ظل مواصلة إيران شن ضربات صاروخية مكثفة ضد مختلف أنحاء إسرائيل بما في ذلك القدس، إلا أنها تستخدم هذا الإجراء - وفق تقديره - كغطاء لتحقيق أهداف أخرى.

وأشار عطالله خلال حديثه لـ«بلدنا اليوم»، إلى أن مخطط استهداف القدس والمسجد الأقصى ليس وليد اللحظة بل يأتي ضمن مسار ممتد منذ عام 1967، حيث تمتلك إسرائيل خططا متكاملة تعمل على تنفيذها بكل أدواتها بما يشمل الحكومة والأحزاب الدينية والمستوطنين إلى جانب دعم من رؤوس أموال يهودية تمول شراء العقارات داخل بلدات القدس مثل سلوان التي تواجه مخاطر تهجير واسعة، في إطار منظومة متكاملة لتحقيق هذا المشروع.
وأضاف: "المفارقة تتمثل في أن إسرائيل لا تتعجل تنفيذ هذا المخطط، وذلك لارتباطه - وفق الديانة اليهودية - بإشارات محددة أبرزها ظهور "البقرة الحمراء" وهو ما لم يتحقق حتى الآن رغم محاولات التهجين"، معتبرا أن هذا العامل يمثل أحد أبرز أسباب تأجيل إقامة الهيكل المزعوم على أنقاض الأقصى.
ولفت إلى تصريحات «أبراهام بورج»، الرئيس الأسبق للكنيست والحركة الصهيونية، التي تناول فيها خلال لقائه مع الإعلامي الأمريكي «تاكر كارلسون» منذ أيام المحاولات الخمس لاستهداف المسجد الأقصى خلال العقود الماضية, موضحا أن توقيت هذه التصريحات في ظل استمرار الإغلاق يعكس مخاوف حقيقية مما قد يحدث، خاصة أنها صادرة من شخص يدرك التحولات العميقة داخل إسرائيل وسيطرة البعد الديني بشدة على سياستها.
وتابع عطالله: “إسرائيل تمضي وفق خطة متدرجة تستهدف تغيير الوضع القانوني والتاريخي للمسجد الأقصى، وقد تمكنت من فرض وقائع غير مسبوقة على الأرض، وما يجري حاليا في القدس هو امتداد لمشروعات قديمة ذات أبعاد تاريخية عملت إسرائيل على ترسيخها بشكل تدريجي”.
وشدد على أن الوصول إلى مرحلة تفجير المسجد الأقصى - إن حدث - ستكون له تداعيات بالغة الخطورة قد تطال جميع الدول باعتبار أنه أمر يمس المسلمين في مختلف أنحاء العالم، إلا أنه أعرب في الوقت نفسه عن تخوفه من أن ردود الفعل الدولية “قد لا تكون على مستوى الحدث”, وذلك على غرار ما شهده العالم من مواقف مخزية وغير حاسمة للمجمتع الدولي تجاه الإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل في قطاع غزة على مدار العامين الماضيين.
وأكد أنه من غير المرجح حدوث تحرك دولي فاعل تجاه إغلاق إسرائيل للمسجد حاليا في ظل انشغال العالم بحرب إقليمية أعادت ترتيب الأولويات، مشيرا إلى أن الأزمات المتلاحقة من اضطراب الاقتصاد العالمي والتوترات المرتبطة بمضيق هرمز وصولا إلى ارتفاع أسعار الطاقة دفعت الدول الى التركيز على أوضاعها الداخلية, وسط مخاوف من حدوث اضطرابات شعبية أو حتى سقوط حكومات نتيجة تلك الاضطرابات.
واختتم عطالله حديثه بأن تلك الأولويات التي أعادت ترتيبها الحرب الدائرة ساهمت في تراجع الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية عموما, وبملف المسجد الأقصى على وجه الخصوص مقارنة بما كان عليه الوضع سابقا، لافتا إلى أنه لا يمكن التعامل مع ما يحدث في القدس باعتباره “تطورا عابرا”، بل هو جزء من مخطط شامل تستغل إسرائيل كل المتغيرات الإقليمية والدولية لتسريع تنفيذه برعاية أمريكية.

