بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
د/إلهام صلاح
رئيس التحرير
وليد الغمرى

الضفة الغربية بين توسُّع الاستيطان الإسرائيلي وإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي |خاص

الضفة الغربية المحتلة
الضفة الغربية المحتلة

تشهد الضفة الغربية تصاعدا غير مسبوق في وتيرة النشاط الاستيطاني خلال الفترة الأخيرة، إذ تمضي إسرائيل في إنشاء مستوطنات جديدة وتقنين أخرى قائمة بالتوازي مع مصادقتها الأسبوع الماضي على خطط تتضمن إقامة 34 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية، في سابقة تاريخية تعكس توجها مباشرا لتغيير الخريطة الجغرافية والديموغرافية للضفة تمهيدا لضمها, وتأتي هذه التحركات لتضع تعقيدات جديدة أمام إمكانية إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيا، فهل يفرض هذا التصعيد واقعا يصعب تجاوزه لاحقا؟ وما أثره على الحلول السياسية؟

تقويض حل الدولتين 

في هذا السياق، قال الدكتور «نزار نزال» - خبير الشؤون الإسرائيلية، إن تسارع وتيرة المصادقة الإسرائيلية على مشاريع الاستيطان الجديدة بالضفة الغربية على نحو غير مسبوق يعكس “تراجعا عمليا عن أي مسار تفاوضي مرتبط بحل الدولتين”، مشيرا إلى أن توقيت هذه التطورات يتزامن مع غياب الاهتمام الدولي والإعلامي بالضفة وقطاع غزة بفعل الاضطرابات الإقليمية المتصاعدة نتيجة الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران وأزمة الطاقة العالمية، وهو ما تستغله تل أبيب في توسيع تحركاتها وانتهاكاتها بعيدا عن الضغوط الدولية.

 

وأوضح أن إسرائيل ترى الظروف الحالية مواتية للمضي في تنفيذ مشاريع توسعية طُرحت منذ عام 2017، وأُقرت لاحقا في 2022 بين رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو» ووزيري المالية والأمن القومي «بتسلئيل سموتريتش» و«إيتمار بن جفير»، في إطار ما وصفه بسياسية "الضم الزاحف"، مشيرا إلى أن ذلك يعكس تحولا من نموذج الدولة التي كانت تقدم نفسها ككيان ديمقراطي يسعى للتفاوض ومنح الفلسطينيين حدا أدنى من الحقوق، إلى كيان توسعي يستهدف ابتلاع أراضيهم وإنهاء المسار التفاوضي القائم على "الأرض مقابل السلام" والذي انطلق منذ مؤتمر مدريد عام 1991.

 

الدكتور «نزار نزال» - خبير الشؤون الإسرائيلية
الدكتور «نزار نزال» - خبير الشؤون الإسرائيلية

وأكد نزال خلال حديثه لـ«بلدنا اليوم» أنه لم تعد هناك أراضٍ للحديث عن إقامة دولة فلسطينية وتنفيذ حل الدولتين، وأن إسرائيل تقوّض هذا المسار بكل الطرق في ظل تراجع الولايات المتحدة عن التزاماتها السابقة تجاه الفلسطينيين وعدم ممارسة الضغوط لوقف الانتهاكات الإسرائيلية المتزايدة، لافتا إلى أن تل ابيب كانت ولاتزال تستغل عامل الوقت وجولات التفاوض المتعاقبة لفرض مشروعها الاستيطاني والتهام ما تبقى من الأراضي الفلسطينية بالضفة.

وأشار إلى أن الموقف الدولي تجاه تلك التحركات الإسرائيلية يبدو “بلا تأثير في ظل محدودية فاعلية المنظومة الدولية عموما”، وانشغال أوروبا بأزماتها الداخلية وتوتر علاقاتها مع الإدارة الأمريكية، مؤكدا أن مواقف القادة الأوروبيين تجاه الانتهاكات الإسرائيلية المتزايدة لا تتجاوز الانتقادات ودعوات التهدئة دون اتخاذ إجراءات رادعة على أرض الواقع.

 

وأضاف: "تستهدف تل أبيب خلال السنوات المقبلة تقليص الوجود الفلسطيني بالضفة عبر الاستيلاء الأراضي وتطويق المدن الفلسطينية الرئيسية بالوجود الإسرائيلي عبر بناء مزيد من المستوطنات وشق الطرق الالتفافية حولها لعزلها إلى جانب فرض حصار أمني واقتصادي عليها، محذرا من أن استمرار هذا النهج دون اتخاذ إجراءات دولية رادعة سيؤدي إلى تغير الطابع الديموغرافي للضفة الغربية وتحوُّل الفلسطينيين لتجمعات سكانية معزولة داخل مدن مكتظة ومحاصرة.

وتابع: "إسرائيل تسيطر أمنيا وإداريا على المنطقة «ج» التي تمثل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية، فيما تفرض سيطرة أمنية على المنطقة «ب» التي تشمل القرى الفلسطينية وتمثل نحو 22% من مساحة الضفة وتشهد نشاطا إسرائيليا متزايدا في احتلال الأراضي وتهجير السكان نحو المدن الرئيسية، بينما تقتصر السيطرة الفلسطينية على المنطقة «أ» والتي لا تتجاوز 18%  من مساحة الضفة وتشمل المدن الفلسطينية الرئيسية مثل نابلس ورام الله.

 

ولفت إلى توسُّع وجود المستوطنين الإسرائيليين مؤخرا في مناطق كانت حتى وقت قريب خالية تماما من أي وجود إسرائيلي لاسيما في محيط جنين وشمال الضفة الغربية، حيث ظلت هذه المساحات خارج نطاق الاستيطان المباشر, إلا أنها تشهد مؤخرا نشاطا استيطانيا متزايدا.

واختتم نزال حديثه بالتأكيد على أن استمرار الأوضاع على هذا النحو ستكون له تداعيات كارثية على القضية الفلسطينية، إلا أنه لم يستبعد في الوقت نفسه أن تتجه التطورات إلى مسارات مختلفة بفعل تصاعد التوترات الإقليمية القائمة والصراعات الإسرائيلية المتزايدة خارج فلسطين وهو ما قد ينعكس على الأوضاع في الضفة الغربية وقطاع غزة بشكل مختلف.

 

تم نسخ الرابط