بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
د/إلهام صلاح
رئيس التحرير
وليد الغمرى

قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين: أداة ردع أم بداية انفجار جديد؟ |خاص

احتجاجات مناهضة لقانون
احتجاجات مناهضة لقانون إعدام الأسرى

يبرز قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين الذي أقره الكنيست في نهاية مارس الماضي كأحد أكثر التشريعات إثارة للجدل داخل إسرائيل وخارجها، في ظل ما تبعه من انتقادات لاذعة بشأن طابعه التمييزي لكونه يكرس عقوبة الإعدام حصرا على الفلسطينيين المدانين في جرائم قتل، إلى جانب دوافعه القومية الإسرائيلية, وارتباطه الوثيق بتصاعد نفوذ التيار اليميني المتطرف.

ورغم الجدل الحالي، فإن عقوبة الإعدام ليست غائبة عن المنظومة القانونية الإسرائيلية، إذ تعود جذورها إلى أنظمة الطوارئ التي فُرضت خلال فترة الانتداب البريطاني عام 1945، ولم تُطبق منذ قيام دولة إسرائيل سوى مرتين فقط في (1948 و1962)، وتم إلغاء تطبيقها في الجرائم المدنية عام 1954, ما يطرح تساؤلات هامة حول أبعاد هذا القانون الجديد وإمكانية تطبيقه، وانعكاساته المحتملة على مسار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

استجابة للتيار اليميني

في هذا السياق، قال الدكتور «مأمون أبو عامر» - الكاتب والباحث السياسي، إن قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين “يُعد إجراءً سياسيا أكثر منه أمنيا، إذ يعكس حالة الغطرسة والارتباك التي تمر بها إسرائيل منذ هجوم السابع من أكتوبر عام 2023”، مشيرا إلى أن موافقة أعضاء الكنيست عليه بالأغلبية (62 مؤيد و47 معارض), جاءت في إطار المنافسة السياسية والحزبية استجابة للتيار اليميني المتطرف المسيطر, وليس استنادا إلى اعتبارات أمنية كما هو معلَن.

وأوضح أن تمرير القانون يرتبط مباشرةً بتداعيات هجوم السابع من أكتوبر وأن دعوات سابقة لطرحه “قوبلت برفض واسع في إسرائيل قبل أن يتغير الوضع  جذريا في المرحلة الراهنة لدرجة أن المحكمة العليا الإسرائيلية لم ترفض القانون من حيث المبدأ”، مؤكدا أن تمرير القانون جاء استجابة لموجة شعبوية غذاها عدد من المؤثرين والسياسيين في مقدمتهم وزير الأمن القومي المتطرف «إيتمار بن جفير» المعروف بعداءه الشديد للفلسطينيين.

 الدكتور «مأمون أبو عامر» - الكاتب والباحث السياسي
 الدكتور «مأمون أبو عامر» - الكاتب والباحث السياسي

وأكد أبو عامر خلال حديثه لـ«بلدنا اليوم»، أن تنفيذ قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين يواجه إشكاليات عدة خاصة أن القوانين لا تُطبق عادةً بأثر رجعي، وهو ما يثير تساؤلات - حسب تعبيره - حول جوهر هذا التشريع الذي يستهدف بالأساس عناصر النخبة بحركة حماس وفصائل المقاومة والمشاركين بهجوم 7 أكتوبر, في ظل وجود عدد كبير منهم بالسجون الإسرائيلية قبل صدور القانون، مشيرا إلى أن إمكانية تنفيذ الإعدام بحق هؤلاء بأثر رجعي تثير المخاوف وكذلك الشكوك حول قابلية تنفيذ القانون.

وأضاف: “من الواضح أن المحكمة العليا الإسرائيلية لا ترفض القانون بل تميل إلى فرض بعض القيود بهدف ضبط مسار تطبيقه، دون الأخذ بالاعتبارات المهنية والتداعيات الأمنية والسياسية التي حذر منها كثيرون داخل إسرائيل وخارجها نتيجة تنفيذ عقوبة الإعدام بحق المدانيين الفلسطينيين بجرائم قتل دون غيرهم، ما يؤكد تهرب المحكمة من مسؤوليتها كحارس للعدالة وخضوعها المباشر لضغوط التيار اليميني المتطرف".

 

وأشار إلى أنه لا يتوقع أن ينجح القانون حال تطبيقه في ردع المقاومة أو تحجيمها، موضحا أن كثير من المقاومين في غزة والضفة كانوا يتجنبون تنفيذ عمليات عنيفة خشية التعرض لأحكام قاسية كالسجن المؤبد، إلا أن المعاناة غير المسبوقة التي يعيشها الفلسطينيون منذ أكثر من عامين إلى جانب قسوة أوضاع الأسرى بالسجون الإسرائيلية، قد تدفع البعض إلى القيام بعمليات عنيفة رغم ما قد يترتب على ذلك من تعرضهم لعقوبة بالإعدام بموجب هذا القانون.

وتابع: “لن يشكل خطر المعاقبة بالإعدام حينئذ عامل ردع بالنسبة لهؤلاء في ظل قناعتهم بأن ظروف الاعتقال بالسجون الإسرائيلية أشد قسوة من الموت، وهو ما يُرجّح أن يؤدي القانون إلى تداعيات أمنية خطيرة في إسرائيل وخارجها”.

 

واستبعد أبو عامر فكرة اندلاع حراك شعبي واسع أو انتفاضة فلسطينية ثالثة حال بدء تنفيذ قانون إعدام الأسرى، خاصة في ظل تفاقم الأوضاع الكارثية التي يعيشها الفلسطينيون في غزة والضفة الغربية نتيجة العداون الإسرائيلي غير المسبوق على مدار أكثر من عامين، إلى جانب إدراك الوعي الجمعي أن الحراك الشعبي لم يعد مجديا، مشيرا إلى الانتفاضتين السابقتين في عامي 1987 و2000 وما أسفرتا عنه فيما بعد من نتائج مخيبة لآمال الشعب الفلسطيني.

ولفت إلى أن ردود الفعل الدولية المتوقعة تجاه هذا القانون التمييزي لن تختلف كثيرا عما شهده العالم خلال حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة والتي أودت بحياة قرابة 80 ألف فلسطيني، موضحا أن المجتمع الدولي وخاصة أوروبا لم يتخذ أي إجراءات رادعة ضد إسرائيل وانتهاكاتها وما ترتكبه من إبادة وتدمير في غزة والضفة منذ أكثر من عامين وحتى اللحظة, باستثناء أسبانيا.

 

واختتم أبو عامر حديثه بالإشارة إلى أن الحراك الشعبي اللافت الذي شهدته معظم دول أوروبا احتجاجا على العدوان الإسرائيلي الغاشم على غزة، لم يكن كافيا لتغيير سياسات أوروبا المنحازة لإسرائيل، مؤكدا أن المجتمع الدولي الذي لم يحرك ساكنا أمام مقتل عشرات آلاف المدنيين نصفهم نساء وأطفال, لن يتخذ بطبيعة الحال موقفا فعالا ومؤثرا لتعطيل قانون تمييزي يستهدف مدانيين فلسطينيين تصنفهم إسرائيل كـ"إرهابيين".

تم نسخ الرابط