بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
د/إلهام صلاح
رئيس التحرير
وليد الغمرى

محمد سعيد يكتب: المصري بين عقدة «الهر والأسد»

محمد سعيد
محمد سعيد

بين فكي الرحى الضارية، يترنح الوعي المصري المعاصر بين نقيضين، فخر باهت بالماضي الموغل في القدم، وإنكار عدمي للحاضر المليء بالمعجزات البشرية، نحن أمام حالة غريبة من "الاستلاب الهوياتي"، حيث يرى البعض في مصر "هرًا يحكي انتفاخًا صولة الأسد"، بينما الحقيقة أن الأسد المصري لم يغادر عرينه قط، بل غادرتنا نحن بصيرة الرؤية.

حين نسأل "يعني إيه مصري؟"، فنحن لا نبحث عن تعريف في بطاقة الرقم القومي، بل نبحث عن "توليفة" كونية أودعها الله في هذا الطمي، فالمصري يعني ببساطة أن تضع مبضعك في قلب بشري لتكون أفضل جراح في العالم (مجدي يعقوب)، أو أن تروض الكرة تحت قدميك لتصبح أفضل لاعب عربي عالمي (محمد صلاح).

إنكار الذات المصرية هو الجريمة التي نرتكبها يوميًا في حق هويتنا، فكيف لدولة توصف أحيانًا بـ "الوهن" في أدبيات المحبطين، أن تنجب أول عربي يترأس اليونسكو (خالد العناني)، أو تصدر للعالم أمير الشعراء (أحمد شوقي)؟ إنها الدولة التي يخشع العالم لصوتها كلما رُفع الأذان أو تُلِي القرآن، لأنها ببساطة دولة التلاوة التي لا ينافسها أحد في ملكوت التجويد والخشوع.

كثيرًا ما يستدعي المتشائمون بيت المتنبي الشهير: "ألقابُ مملكةٍ في غيرِ موضعِها.. كالهرِّ يحكي انتفاخًا صولةَ الأسدِ"، ويشيرون من خلال هذا البيت على واقعنا ليقولوا إننا نعيش على أطلال مجد زائف، لكن القراءة الواعية للواقع المصري تفند هذا، فالهر هو من يدعي ما ليس فيه، أما مصر فهي "الأسد" الذي قدم أهم عالم فيزيائي عربي (مصطفى مشرفة) وأول عالمة فيزياء عالمية (سميرة موسى).

نحن أكثر أمة عربية حصدت جوائز نوبل في مجالات الأدب والعلوم والسلام (4 جوائز)، هل نوبل "لقب في غير موضعه"؟ هل نجيب محفوظ وأحمد زويل والسادات والبرادعي كانوا "هررة" تنتفخ؟ بالتأكيد لا، الإنصاف يقتضي أن نعترف أن العيب ليس في "المملكة" ولا في "ألقابها"، بل في "الرعية" التي أدمنت التقليل من شأن قاماتها.

المصري ليس مجرد رقم في تعداد سكاني، بل هو مؤسس أهم وأكبر متحف في العالم (عبد الفتاح السيسي)، وهو أسطورة الفن الحديث التي صاغت وجدان الشرق بأكمله، ولكن بعيدًا عن المنصات والجوائز، تظل أعظم سمات هذه الذات هي "الإنسانية الخام"، المصري هو أجدع شخص ممكن تقابله، تلك الشهامة الفطرية التي لا تحتاج لشهادات أكاديمية، هي التي جعلت من الشخصية المصرية "بوصلة" للأصالة العربية.

نحن نعيش في دولة "إمام الدعاة" (الشعراوي)، الذي بسط الدين للناس بلسان مصري مبين حتى وإن اختلف معه الكثير، فإذا كان كل هؤلاء العظماء يمثلون "الذات المصرية"، فأين هو الانتفاخ الكاذب؟ الحقيقة أننا نعاني من "تضخم في جلد الذات" يقابله "ضمور في الاعتزاز بالمنجز".

لذا، فإن إنكار الذات المصرية ليس تواضعًا، بل هو نوع من الانتحار المعنوي، نحن لا نحتاج لادعاء القوة، فنحن القوة ذاتها علمًا وفنًا وأدبًا و"جدعنة"، علينا أن نتوقف عن ترديد أبيات الهجاء في حق أنفسنا، وأن ندرك أن الأسد المصري لا يحتاج لانتفاخ ليبدو قويًا، بل يحتاج فقط أن يرى أبناؤه انعكاس صورته الحقيقية في مرآة التاريخ والحاضر والمستقبل، بعيدًا عن غبش الإحباط.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة أبسط من كل الضجيج، أن الأوطان الكبيرة لا تحتاج إلى من يضخم صورتها، لأنها تشبه الشجرة العتيقة التي يعرف الناس قيمتها من ظلها وثمرها، لا من كثرة الحديث عنها، أما الذين يظنون أن الألقاب تصنع الهيبة، فهم كمن يرتدي جلد الأسد بينما تكشفه أول لحظة اختبار، فالقيمة الحقيقية لا تُمنح بالصوت العالي، بل يفرضها الأثر، والتاريخ وحده يعرف جيدًا الفرق بين زئيرٍ حقيقي وانتفاخٍ عابر، وأخيرًا الحديث لا يتعلق فقط بالأوطان.

تم نسخ الرابط