بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
د/إلهام صلاح
رئيس التحرير
وليد الغمرى

من بيت الأمة

رئيس وزراء مصر الأسبق: المستقبل لا يُنتظر بل يُصنع بالعقل والتناغم

بلدنا اليوم

شهد حزب الوفد بالدقي ندوة بعنوان "رومانسية وطن"، أدارها اللواء مصطفى زكريا وحضرها رئيس الحزب الدكتور السيد البدوي شحاتة إلى جانب نخبة من السياسيين والقيادات. 

 

رئيس وزراء مصر الأسبق

وفي كلمته، لم يُخفِ ضيف الندوة الدكتور عصام شرف، رئيس وزراء مصر الأسبق، تأثره بالمكان قائلًا إنه رغم خبرته الأكاديمية الطويلة وإلقائه آلاف المحاضرات، إلا أنه شعر برهبة فريدة وهو يتحدث من داخل هذا الصرح العريق “بيت الأمة”.


 

وفي لفتة إنسانية، كشف الدكتور عصام شرف عن ارتباطه الوجداني بـ"بيت الأمة" منذ ما يزيد على ستة عقود؛ إذ تعود علاقتة بالمكان إلى أيام الصبا وتحديدًا مرحلة الدراسة الابتدائية، حين كان يمارس كرة القدم مع أقرانه في الأزقة المحيطة بمقر الحزب، مؤكدًا أن هذا البيت ظل دائمًا وأبدًا يمثل جاذبية خاصة ورمزية محفورة في الوجدان.

 

الروابط الإنسانية

وأوضح شرف أن اختيار عنوان "رومانسية وطن" يتجاوز الطرح العاطفي العابر، ليقدم محاولة جادة لتعريف الوطن كقيمة عليا، والبحث عن الروابط الإنسانية التي تصل المواطن بهويته وتاريخه بعيدًا عن الحسابات الضيقة.

 

 وشدد على حاجة المجتمع اليوم إلى خطاب وطني يعيد للوعي مكانته وللفكر قيمته، بما يعزز إيمان المواطن المصري بقدرة وطنه على صناعة الأمل متى توفرت الإرادة.

وأشار إلى أنه تعلم من تجارب الحياة أن القضايا الكبرى يجب أن تُبنى على النظرة الكلية، ولا يوجد ما هو أهم من قضية الوطن، ومن هذا المنطلق، أركز في رؤيتي على الانتقال من مدارات "الأشخاص والأشياء" إلى مدار "الأفكار والقيم"؛ فالأشخاص يرحلون ولكن القيم، مثل الأمومة والوطنية، تظل خالدة لا تموت.
وأوضح الدكتور عصام شرف، أن هدفه الأساسي هو استحضار "حالة أكتوبر"، وهي حالة ممتدة لا تقتصر فقط على نصر عسكري، بل هي روح نسعى من خلالها لصياغة "مشروع تنويري" متكامل يعيد بناء الوعي والإنسان، فالوطن لا يُبنى بالسياسة والاقتصاد فحسب، بل بالمشاعر الصادقة والانتماء الحقيقي، والإيمان بأن لهذا الوطن حقًا علينا جميعًا أن نفكر فيه ونختلف من أجله.

 

 

وأكد الدكتور عصام شرف أن القيم هي المحرك الأساسي للإنسان، مشددًا على أن علاقتنا بالوطن لا يجب أن تكون "علاقة أشياء أو أشخاص"، بل هي علاقة تقوم على قيم إنسانية عليا تستحق التضحية. 
وأوضح أن هناك فرقًا جوهريًا بين "الدولة" بمكوناتها المادية والبشرية (أرضًا وشعبًا وسلطة) وبين "الوطن" الذي يمثل القيمة السامية التي لا تتأثر بالمتغيرات أو الأشخاص.

وعرف الدكتور شرف الرومانسية الوطنية بأنها "عطاء بلا قياس" وتجاوز للقدرات الطبيعية المعتادة، وهي حالة خاصة جدًا من الحب تتجلى في التضحية دون انتظار مقابل، بخلاف المفاهيم الإدارية التي تخضع للقياس والحساب.
واستشهد بنماذج من الحياة الأسرية (تضحيات الأب والأم) كدليل على أن القيمة العليا تدفع الإنسان لتخطي قدراته الجسدية والمعتادة من أجل هدف أسمى، معتبرًا أن هذه الحالة هي جوهر الرومانسية التي يتحدث عنها.

وأشار إلى أن قيمة الأشياء المادية تتبدل تمامًا عندما ترتبط بالوطن؛ فـ "قطعة القماش" تصبح ذات قيمة لا تقدر بثمن عندما تتحول إلى علم مصر، والأسماء العادية تكتسب خلودًا عندما ترتبط ببطولات وطنية، مثل محمد العباسي الذي رفع العلم على خط بارليف.

واعتبر الدكتور شرف أن انتصارات أكتوبر 73 هي ذروة "رومانسية الوطن"، مؤكدًا أنها بدأت فعليًا منذ يونيو 67 من خلال صمود الشعب وتحمله للمصاعب، وبطولات الجنود في حرب الاستنزاف الذين كانوا يتدربون بإصرار يتجاوز حدود طاقتهم البشرية مدفوعين بالقيم الوطنية.

وأكد على أن القيم العليا مثل الوطن، الأسرة، والحب هي قيم منزهة تظل موجودة ونسعى إليها دائمًا، وهي لا تموت ولا تتأثر بفشل الأفراد في تحقيقها أحيانًا.

 

وقال الدكتور عصام شرف إن نصر أكتوبر 1973 لم يكن مجرد ملحمة عسكرية فحسب، بل كان تجسيدًا لما أسماه بـ "كيمياء الوطن"، وهي الحالة التي تغيرت فيها سيكولوجية المصريين وانتقلوا فيها من التعب والكسل إلى ذروة النشاط والعطاء غير المشروط.

وأكد شرف أن هذه الحالة الاستثنائية قامت على الالتفاف الوطني وانصهار مؤسسات الدولة والشعب في بوتقة واحدة لاسترداد الكرامة الوطنية، موضحًا من خلال شهادته كشاب في تلك الفترة، كيف تحول سلوك الأفراد العاديين بفضل قيم عليا تحركت بداخلهم؛ فذكر قصصًا ملهمة عن تلاحم الشعب، منها شباب الأندية الذين تسابقوا للتطوع على الجبهة وبكوا خشية عدم نيل شرف المشاركة، كما استشهد بالمواطنون البسطاء كـ "عم صابر" القهوجي و"عم حسين" البقال الذين قدموا مصالح الوطن على أرزاقهم الخاصة في مشهد مهيب للعطاء، فضلًا عن تغير سلوك الجمهور في وسائل النقل، والتزامهم الطوعي بدفع التذاكر كدعم للدولة في حربها، وقصص البطولة للأطباء والجنود الذين كانت وصيتهم الوحيدة هي "أن يُدفن الشهيد بسلاحه وملابسه" دلالة على الارتباط الأبدي بالأرض.

وعرض الدكتور شرف "فلسفة التناغم والاندماج" كنموذج لبناء المستقبل، مشبهًا إياها بـ "فنجان الشاي" أو "اللوحة الفنية"، حيث تندمج عناصر متباينة (ماء، سكر، شاي) لتكون وحدة واحدة متجانسة وأكثر قوة دون إلغاء الاختلافات بينها.
وأكد الدكتور عصام شرف على أن "حالة أكتوبر" هي منظومة متكاملة من التخطيط الجمعي والتضحيات الفردية التي استمرت لسنوات، مشددًا على ضرورة إعادة إنتاج هذه الحالة اليوم ليس لخوض حروب عسكرية، بل لخوض "حروب اقتصادية واجتماعية وثقافية" ملحة، مؤكدًا أن مصر وطن يستحق التضحية والعمل بتناغم من الجميع دون استثناء.

 

حول أسس القوة الوطنية


ولفت الدكتور عصام شرف، في رؤية تحليلية حول أسس القوة الوطنية، إلى أن "التماسك" هو القيمة المحورية والفيصل في استقرار المجتمعات، مشبهًا انهيار التماسك الاجتماعي بما يحدث في الهندسة عند ظهور التصدعات في الطرق؛ فكلما قل التماسك انهار الطريق وراحت وظيفته. 
 

وأكد أن المجتمعات المتماسكة قادرة على أداء وظيفتها بامتياز ومواجهة أي "أحمال خارجية" أو تحديات دون خوف، موضحًا أن "المشروع التنويري" الذي ينشده يرتكز على تحويل "التباين" في المجتمع إلى "تناغم"، لخلق مجتمع قادر على المنافسة والتقدم. وشدد على أن هذا المشروع يقوم على جناحين أساسيين "التناغم الوطني وإعمال العقل"، مشيرًا إلى أن العاطفة وحدها لا تكفي، بل يجب أن يقترن الحب والترابط بالإيمان بالابتكار والتطور العلمي.

وأشار الدكتور شرف إلى "روح أكتوبر" كنموذج تطبيقي ناجح، حيث اجتمع فيها التناغم الشعبي والهدف الموحد مع التخطيط العلمي الفائق، وهو ما تجلى في كسر خط بارليف من خلال دراسات هندسية واستراتيجية دقيقة.
 

 

كما حذر من أن "الداخل القوي" هو المفتاح الحقيقي للأمن القومي، مؤكدًا أن الدولة القوية كالجسم السليم المتناغم الذي يستطيع مقاومة الميكروبات الخارجية مهما بلغت شدتها، بينما يؤدي التفكك الداخلي والاستقطاب إلى "مرض نفسي اجتماعي" يتمثل في التمركز حول الذات وفقدان الثقة في الآخر.
 

 

وأكد على أن "قيمة الوطن" يجب أن تكون القيمة العليا التي تحرك اختياراتنا، مستشهدًا بوقائع تاريخية تثبت أن البلاد لا تُهزم إلا إذا انهار عمودها الفقري من الداخل، وهو موروثها الروحي والثقافي، وعليه، فإن الوعي الجمعي الذي يجعل كل فرد يرى نفسه جزءًا من كيان كبير هو "الزاد الثابت" لمواجهة كافة التحديات الإقليمية والدولية.

 

 

كما أكد الدكتور عصام شرف أن التناغم الوطني يمثل الركيزة الأساسية لقوة الدولة، مشبهًا المجتمع باللوحة الفنية التي تكتسب جمالها وتأثيرها من "التباين المتناغم" للألوان، حيث إن التنوع مع التناغم يخلق حالة من القوة والجمال.

وأوضح أن الأمن القومي يكون في أفضل حالاته عندما يكون الداخل قويًا ومتناغمًا، بينما يضعف بضعف الجبهة الداخلية واستقطابها، مشددًا  على أن الهوية الوطنية يجب أن تكون هي "القيمة العليا" التي تعلو فوق الأشخاص والمؤسسات والأيديولوجيات والأديان، قائلًا: "أنا مصري أولًا، ثم تأتي الاختلافات الأخرى". 
واستشهد بدراسات تاريخية تؤكد أن الحضارات تنهار عندما تعجز عن الاستجابة للتحديات، معتبرًا أن التحدي الأكبر الذي يواجهنا هو "الاستقطاب"، وأن الاستجابة المثلى تكمن في التناغم والتفاهم والتعايش.
وفيما يخص التنمية والتقدم، أشار الدكتور شرف إلى ضرورة تعظيم دور العقل والتفكير المنطقي كآلية للمنافسة، معتبرًا العقل هو "القيمة المضافة" الحقيقية للإنسان. 
ولفت إلى مفارقة علمية بأن قيمة المكونات الكيميائية لجسم الإنسان لا تتعدى 160 دولارًا، بينما تكمن قيمته الحقيقية في عقله الذي وهبه الله إياه، كما دعا إلى تبني منهج "العقل المحارب" الذي لا يكتفي بنقل المعرفة بل يمحصها ويسأل عن الأسباب، محذرًا من التقليد الأعمى (النقل) دون إعمال العقل، ومستشهدًا بقصة "تقطيع رءوس السمك" للدلالة على ضرورة فهم سياق العادات المورثة.

وفرق شرف بين "الإجادة" و"الجودة"، موضحًا أن الإجادة هي مجرد مهارة، بينما الجودة هي القيمة المضافة التي يقدمها العمل للمجتمع، ضاربًا المثل بقصة "ناظم الإبرة" الذي أجاد مهارة لا نفع منها للمجتمع، مؤكدًا أن المستقبل ليس زمنًا ننتظره بل هو "واقع نصنعه"، وأن الأحلام يجب أن تتحول من مجرد أماني شخصية إلى أحلام وطنية نعمل على تحقيقها كما نتحمل مسئولية الواقع القادم.

 

 


وقال الدكتور عصام شرف، رئيس وزراء مصر الأسبق، إن القيمة المضافة هي سر الحياة، مشددًا على ضرورة تحول النظم المجتمعية لتركز على الإنسان وعقله بدلًا من المال. وأوضح أن ما يصفه البعض بـ "الحظ" ليس إلا معادلات علمية نجهلها، مؤكدًا أن الإيمان بالحظ يتناسب عكسيًا مع العلم، فكلما تقدمت المعرفة واكتشفنا الحقائق تراجعت مساحة الصدفة، حيث اعتبر أن "الإيمان بالحظ يساوي واحد ناقص العلم".
وأشار إلى أن النموذج الصيني اعتمد على قفزات ابتكارية مذهلة وليس مجرد نمو معتاد، لافتًا إلى أن الابتكار الذي يقصده لا يتوقف عند حدود المعامل أو التكنولوجيا، بل يمتد ليشمل القطاعات الاجتماعية والاقتصادية والبشرية كافة.

ودعا إلى ضرورة تبني منظور تنافسي عالمي، قائلًا: "لا تكتفي بمقارنة نفسك بنفسك، بل قارن نفسك بأقرانك" لتحقيق نصر حضاري حقيقي.
وعن مكانة مصر الدولية، أكد أن العالم لا يمكنه تصور نفسه بدون مصر، مشددًاوعلى ضرورة الانتقال من "حضارة الهيمنة" التي تسبب الحروب إلى "حضارة المصير المشترك"، حيث يصبح سقوط أي طرف تهديدًا للجميع. وأضاف أن التاريخ المصري العظيم يجب أن يكون دافعًا للعب دور محوري مشابه في مستقبل العالم.

وتطرق الدكتور شرف إلى فلسفة مواجهة الصعاب، مستشهدًا بـ "قصة الفراشة" التي تعاني لتخرج من شرنقتها كي تتمكن من الطيران، مؤكدًا أن الألم ليس عذابًا محضًا، بل هو مخاض ضروري للنجاح. وأوضح أن الأشياء العظيمة والمهمة غالبًا ما تتحقق بصعوبة، وهذه الصعوبة هي ما يمنحها الجمال والقيمة.

وحول تعريف جوهري لـ الأمن القومي، أكد أنه يتجاوز الأبعاد العسكرية والشرطية ليصل إلى الحالة الوطنية الداخلية والتناغم المجتمعي، وشدد على أن الداخل القوي هو الدرع الحقيقية لمواجهة التهديدات الخارجية، مستحضرًا نموذج التلاحم الشعبي المصري المذهل في الفترة من 1967 وحتى نصر 1973 كدليل على أن قوة المجتمع هي أساس الأمن والأمان.
حضر اللقاء محمد عبدالعليم داود رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد بمجلس النواب، والدكتور ياسر حسان أمين صندوق الوفد، والمهندس حسين منصور نائب رئيس الحزب، وصفوت عبدالحميد، والدكتورة أمل رمزى والسيد الصاوى أعضاء الهيئة العليا لحزب الوفد، ومن مساعدي رئيس الوفد العميد محمد سمير، ومحمد السنباطى والدكتور صلاح سلام مساعد رئيس الوفد لشئون المناطق الحدودية، والدكتور عماد زكى المتحدث الرسمى باسم رئيس الوفد، والدكتورة عزة هيكل عميد معهد الدراسات السياسية والاستراتيجية، والمهندس وسام عبدالباقى رئيس لجنة التحول الرقمى، واللواء أحمد الشاهد رئيس لجنة الدفاع والأمن القومى بالحزب سابقًا، والإعلامى محمد مبروك منسق عام هيئة جيل المستقبل، والكاتب الصحفى شريف عارف مدير معهد الدراسات السياسية والاستراتيجية، ومحمد مجدى فرحات، وأمنية رمزى سكرتيرى الهيئة الوفدية.

تم نسخ الرابط