بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
د/إلهام صلاح
رئيس التحرير
وليد الغمرى

رحلة الجنيه بعد الشراء.. كيف تتحول فاتورة السوبر ماركت إلى إيرادات للدولة؟

الانفاق اليومي
الانفاق اليومي

لم يتوقع خالد محمد، موظف في إحدى شركات التسويق، وهو في العقد الثالث من عمره، أن تكون رحلته القصيرة إلى السوبر ماركت مساهمة غير مباشرة في تمويل الموازنة العامة للدولة.

دخل خالد إلى السوبر ماركت ليشتري احتياجات منزله المعتادة، من زجاجة زيت، وعلبة جبن، وكيس سكر، وغيرها من المستلزمات الأساسية التي لا يخلو منها أي منزل. دفع الفاتورة وغادر، معتقدًا أنه سدد فقط قيمة السلع والخدمات التي حصل عليها.

إلا أن الحقيقة هي أنه ساهم بجزء من قيمة مشترياته في صورة ضرائب ورسوم لم يرها مدونة أمامه، بل دفعها ضمن التكلفة النهائية للسلع دون أن يشعر.

ولا تستغرب كثيرًا، فأنت أيضًا تساهم يوميًا في تمويل الموازنة العامة للدولة كلما اشتريت سلعة أو حصلت على خدمة، إذ يذهب جزء من قيمة ما تدفعه إلى الدولة في صورة ضرائب غير مباشرة، من بينها ضريبة القيمة المضافة، التي أصبحت أحد أهم مصادر الإيرادات العامة.

رحلة الجنيه.. أين يذهب؟

لنفترض أن مواطنًا اشترى هاتفًا محمولًا جديدًا بقيمة 20 ألف جنيه. هذا المبلغ لا يمثل تكلفة تصنيع الهاتف فقط، بل يشمل أيضًا تكاليف الشحن والجمارك -إن وجدت- وضريبة القيمة المضافة، إلى جانب هامش ربح المستورد والتاجر، ومصاريف النقل والتخزين.

ولا يقتصر الأمر على الهواتف المحمولة، بل يتكرر المشهد عند شراء ثلاجة أو تلفاز أو أي جهاز كهربائي، بل وحتى عند تناول وجبة في أحد المطاعم، إذ تُحتسب الضريبة ضمن السعر النهائي دون أن يضطر المستهلك إلى سدادها بشكل منفصل.

ويؤكد خبراء الاقتصاد أن هذا النوع من الضرائب يُعرف بـ"الضرائب غير المباشرة"، لأنها لا تُحصَّل من المواطن مباشرة، وإنما يقوم التاجر أو مقدم الخدمة بتحصيلها ثم توريدها إلى مصلحة الضرائب.

هل ندفع ضرائب كل يوم؟

عندما يشحن المواطن رصيد هاتفه المحمول، أو يسدد فاتورة الإنترنت، أو يشتري جهازًا كهربائيًا، أو يتناول الطعام في أحد المطاعم، أو يشتري عددًا من السلع الاستهلاكية، فإنه يتحمل ضمن السعر النهائي ضرائب ورسومًا مقررة قانونًا.

لكن ذلك لا يعني أن كل زيادة في الأسعار ترجع إلى الضرائب، فالسعر النهائي لأي سلعة يتكون من عدة عناصر، تشمل تكلفة الإنتاج، وأسعار الطاقة، والنقل، والمواد الخام، وسعر صرف الدولار بالنسبة للسلع المستوردة، بالإضافة إلى هامش ربح المنتج والتاجر.

لماذا تعتمد الدولة على الضرائب؟

تمثل الضرائب المصدر الرئيسي لتمويل الموازنة العامة في معظم دول العالم، ومنها مصر، حيث تُستخدم حصيلتها في الإنفاق على قطاعات حيوية، مثل التعليم، والصحة، والدعم، وشبكات الطرق، ومشروعات البنية التحتية، وبرامج الحماية الاجتماعية.

ومن هذا المنطلق، أكد الدكتور محمد معيط، وزير المالية السابق، أن الدولة لا تستهدف زيادة أسعار الضرائب، وإنما تعمل على توسيع القاعدة الضريبية ودمج الاقتصاد غير الرسمي، بما يحقق العدالة الضريبية ويحد من التهرب، مع الاستمرار في تطوير المنظومة الضريبية من خلال الفاتورة الإلكترونية والإيصال الإلكتروني، بما يضمن تحصيل مستحقات الدولة بصورة أكثر كفاءة وعدالة.

وأوضح معيط في تصريحات تلفزيونية سابقة، أن الإصلاح الضريبي لا يستهدف زيادة الأعباء على المواطنين أو المستثمرين، وإنما يهدف إلى توسيع عدد الممولين، وتحقيق المنافسة العادلة بين جميع الأنشطة الاقتصادية، بما يسهم في زيادة الإيرادات دون فرض ضرائب جديدة على الملتزمين.

رشاد عبده: العدالة الضريبية لا تعني زيادة الضرائب

من جانبه، يرى الدكتور رشاد عبده، رئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية، أن مفهوم العدالة الضريبية لا يرتبط بزيادة قيمة الضرائب، وإنما بتحقيق التوازن، بحيث يدفع كل مواطن أو شركة نصيبه العادل وفقًا لقدرته الاقتصادية.

وأكد عبده، في تصريحات صحفية، أن أحد أهم التحديات التي تواجه الأسر المصرية حاليًا لا يتمثل فقط في ارتفاع الأسعار، بل في غياب ثقافة الإدارة المالية، موضحًا أن كثيرًا من المواطنين ينفقون جزءًا كبيرًا من دخولهم على مشتريات غير ضرورية أو نفقات يمكن الاستغناء عنها.

وأضاف أن ترشيد الاستهلاك لا يعني الحرمان، وإنما حسن إدارة الموارد، لأن الجنيه الذي يتم توفيره اليوم قد يصبح مصدر أمان للأسرة في المستقبل.

فخري الفقي: المشكلة ليست في الضرائب وحدها

ويتفق الدكتور فخري الفقي، رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، مع هذا الطرح، مؤكدًا في أكثر من لقاء إعلامي أن المشكلة الأساسية لدى كثير من الأسر ليست فقط في حجم الدخل، وإنما في الإنفاق على أبواب لا تحقق قيمة حقيقية.

وأشار الفقي إلى أن غياب التخطيط المالي يجعل الأموال تنفد قبل نهاية الشهر، حتى لدى بعض أصحاب الدخول المرتفعة، لافتًا إلى أن إعداد ميزانية شهرية للأسرة أصبح ضرورة، مع إعطاء الأولوية للإنفاق على الاحتياجات الأساسية، ثم الادخار، قبل التوسع في الكماليات.

ويرى الفقي أن نشر الثقافة المالية بين المواطنين لا يقل أهمية عن الإصلاحات الاقتصادية، لأن حسن إدارة الدخل يسهم في تحسين مستوى معيشة الأسرة حتى في ظل الضغوط الاقتصادية.

كيف تحافظ على مدخراتك؟

ومع حجم الإنفاق اليومي الذي قد لا يشعر به المواطن، يبحث كثيرون عن أفضل السبل للحفاظ على دخولهم ومدخراتهم، ليس فقط من خلال زيادة الراتب، وإنما أيضًا عبر رفع كفاءة الإنفاق.

وينصح خبراء الاقتصاد بإعداد ميزانية شهرية واضحة، وكتابة قائمة بالمشتريات قبل التوجه إلى الأسواق، ومقارنة الأسعار بين المنافذ المختلفة، والحد من الوجبات الجاهزة والمشتريات العشوائية، إلى جانب تخصيص نسبة ثابتة من الدخل للادخار، مع تجنب اللجوء إلى التقسيط إلا عند الضرورة.

ويؤكد الخبراء أن توفير 30 أو 50 جنيهًا يوميًا قد يبدو مبلغًا بسيطًا، لكنه يتحول إلى آلاف الجنيهات بنهاية العام، وهو ما يمنح الأسرة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات، ويتيح لها تكوين احتياطي مالي أو استغلال فرص استثمارية مستقبلًا.

تم نسخ الرابط