مطالب برلمانية بمراجعة معايير حذف بطاقات التموين
تسبب "الحذف العشوائي" من منظومة بطاقات التموين في حالة من القلق والارتباك بين آلاف الأسر المصرية، فبدلا من أن تكون التنقية وسيلة لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، تحولت في بعض الحالات إلى قرارات استبعاد تعتمد على معايير جامدة لا تراعي طبيعة الدخل أو الظروف المعيشية للمواطنين.
وتكشف الشكاوى المتزايدة أن معايير مثل امتلاك سيارة أو تركيب عداد كودي أو إلحاق الأبناء بمدارس خاصة منخفضة المصروفات، أصبحت سببا مباشرا في خروج مستحقين من المنظومة، وبين تأكيد الحكومة على ضرورة ترشيد الدعم، ومطالبات برلمانية بمراجعة آليات الحذف، يبقى السؤال الأهم، كيف نضمن العدالة في منظومة يفترض أنها أنشئت لحماية الأسر الأولى بالرعاية؟
معايير الاستبعاد تفتقد العدالة الاجتماعية
وفي هذا السياق، انتقدت الدكتورة إيرين سعيد رئيسة الهيئة البرلمانية لحزب الإصلاح والتنمية لمجلس النواب، آليات استبعاد بعض المواطنين من منظومة الدعم التمويني، مؤكدة أن عددا من المعايير المطبقة حاليا لا تحقق العدالة الاجتماعية، وتسببت في تلقي شكاوى من مواطنين وأسر ترى أنها مستحقة للدعم.
وقالت النائبة، إن الدور الرقابي للبرلمان يقوم على متابعة شكاوى المواطنين ومراجعة القرارات الحكومية ومدى عدالتها، موضحة أن المجلس يراقب معايير الاستبعاد ومدى توافقها مع الواقع الاجتماعي والاقتصادي، لكنه ليس الجهة المنفذة لتلك القرارات.
وأضافت أن الحكومة أعلنت عددا من الفئات باعتبارها غير مستحقة للدعم، إلا أنها لا تتفق مع بعض هذه المعايير، وعلى رأسها استبعاد أصحاب العدادات الكودية، معتبرة أن تركيب العداد الكودي لا يعني بالضرورة وجود مخالفة، خاصة أن هناك مواطنين قاموا بتقنين أوضاعهم أو تقدموا بطلبات تصالح.
وأشارت إلى أن أزمة العدادات الكودية ترتبط بملف التصالح في مخالفات البناء، معتبرة أن التعامل مع هذه الملفات بصورة متتابعة أدى إلى حرمان بعض المواطنين من الدعم دون حسم أوضاعهم القانونية بشكل كامل.
كما انتقدت "سعيد"، اعتبار إلحاق الأبناء بالمدارس الخاصة معيارا لاستبعاد الأسر من الدعم، مؤكدة أن هناك مدارس خاصة منخفضة المصروفات تلجأ إليها أسر من محدودي ومتوسطي الدخل، ولا يمكن مساواتها بالمدارس الدولية أو مرتفعة التكاليف.
وأكدت النائبة، أن تطبيق معايير موحدة على جميع المواطنين، مثل امتلاك سيارة أو حيازة مساحة معينة من الأراضي الزراعية، دون مراعاة طبيعة المهنة أو حجم الدخل الفعلي، لا يحقق العدالة الاجتماعية، لافتة إلى أن دخل بعض الحيازات الزراعية قد لا يكفي لتلبية احتياجات الأسر الكبيرة.
ودعت إلى إعادة هيكلة منظومة الدعم بحيث تعتمد على شرائح مختلفة وفقا لمستويات الاحتياج، بما يضمن حصول الفئات الأكثر احتياجا على دعم أكبر، مع استمرار تقديم دعم مناسب للطبقة المتوسطة في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.
وتابعت النائبة تصريحاتها بالتأكيد على ضرورة مراجعة معايير الاستبعاد الحالية، بما يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه وتحقيق العدالة الاجتماعية، مع معالجة أي أخطاء قد تكون وقعت في تطبيق المنظومة.
حذف غير المدققين من التموين غير مقبول
ومن جانبها، أكدت النائبة نشوي الشريف، عضو مجلس النواب، رفضها القاطع لأي حالات حذف تمت من منظومة التموين دون إجراء مراجعة دقيقة، أو دون منح المواطنين حقهم في الإخطار وتقديم التظلم، مشدده على أن منظومة الدعم التي أُنشئت في الأساس لحماية الأسر الأكثر احتياجا، لا ينبغي أن تتحول إلى مصدر توتر وقلق للأسر البسيطة.
وأوضحت "الشريف"، أنها تؤيد عملية تنقية بطاقات التموين واستبعاد غير المستحقين، إلا أنها ترفض في الوقت ذاته أي إجراءات حذف تفتقر إلى معايير العدالة، أو تستند إلى مؤشرات لا تعبر بدقة عن الوضع الاقتصادي الحقيقي للمواطن، قائلة "قوت المصريين ليس ساحة للتجارب ولا لتحمل الأخطاء الإدارية".
وطالبت عضو مجلس النواب، الحكومة بمراجعة شاملة لكل حالات الاستبعاد التي وردت بشأنها شكاوى، مع ضرورة الإعلان بشفافية عن أسباب الحذف، والعمل على إعادة الدعم فوراً لكل من ثبتت أحقيته.
وفيما يتعلق بالأرقام، أشارت النائبة إلى أن وزارة التموين لم تعلن في البداية عن رقم رسمي موحد للمستبعدين، إلا أن المتحدث الرسمي للوزارة أعلن خلال الأيام الماضية أن عدد المواطنين الذين تم إيقاف بطاقاتهم بلغ 850 ألف مواطن حتى الآن.
وأستكملت حديثها موضحه أن لجنة الشؤون الاقتصادية بمجلس النواب كانت قد طالبت بفتح باب التظلمات قبل الإعلان عن ذلك، وبالفعل استجابت الوزارة وفتحت باب تلقي التظلمات لمدة 60 يوما.
آليات حذف التموين تفتقد الدقة
وبدوره، أكد الدكتور محمد عبد الهادي، الخبير الاقتصادي، أن الدولة تسعى إلى دعم الموازنة العامة من خلال خفض المصروفات وزيادة الإيرادات، ويعد استبعاد بعض فئات الطبقة الوسطى من منظومة الدعم أحد أهم الأدوات المتبعة، بهدف توجيه الدعم إلى غير القادرين وغير المستحقين فعليا.
وأضاف أن فئة المحامين تعد من الفئات التي يصعب على الدولة حصر إيراداتهم بدقة، باعتبارهم ضمن العمالة غير المنتظمة وتحت مظلة الاقتصاد غير الرسمي، إلا أن توجه الدولة واضح في قصر الدعم على غير القادرين والمستحقين، وذلك من خلال التأكد من عدم وجود مصدر دخل ثابت يخضع للرقابة لمن ترغب الدولة في شمولهم بالدعم.
وتابع عبد الهادي، أن الآليات المطبقة حاليا لا تعد الأنسب لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، خاصة في ظل غياب حصر شامل لمن يستحق الدعم، ولا سيما أصحاب الدخول غير الثابتة، متسائلا كيف يمكن تحديد هؤلاء الأشخاص بدقة في ظل الآليات الراهنة.
واقترح الاعتماد على مجموعة من الآليات المتخصصة، تتمثل في تشكيل لجان حكومية يكون هدفها البحث الميداني عن المستحقين، من خلال دراسة مصادر الإنفاق، ومصادر دخل الأسرة، وعدد أفرادها.
ولفت إلى أن هذا النهج قد يترتب عليه بعض الأخطاء، لذا يجب أن تسمح المنظومة بتعديل البيانات وقبول التظلمات بشكل سريع، وضرب مثالا على ذلك قد يشتري أحد المواطنين سيارة ويتم حذفه من المنظومة، بينما يكون قد حصل على قرض لشرائها، ثم يبيعها لاحقا وبعد سداد مستحقات القرض يصبح بلا دخل ويستحق الدعم.
وشدد إلى ضرورة إجراء تحديث مستمر لمنظومة الدعم للوصول إلى المستحقين على النحو الأمثل، مع فتح باب التظلمات لتحقيق قدر أكبر من العدالة الاجتماعية بين أفراد الشعب المصري.
ولفت الخبير الاقتصادي، إلى أن معايير مثل امتلاك سيارة بموديل معين أو امتلاك عقار في المدن الجديدة تعد بالفعل من المؤشرات التي تعكس مستوى دخل الأسرة بالنسبة للدولة، لكنه استدرك بأن هذه المؤشرات لا يمكن تعميمها بشكل مطلق، إذ من الممكن أن تكون هذه الممتلكات موروثة، وفي هذه الحالة قد يكون مصدر دخل صاحبها ضئيلا للغاية بما يؤهله للاستفادة من الدعم.