بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
د/إلهام صلاح
رئيس التحرير
وليد الغمرى

اتفاق غزة.. مصر وتركيا وقطر تضغط وترامب في مواجهة نتنياهو

 الدكتور علاء السعيد،
الدكتور علاء السعيد، الخبير السياسي

قال الدكتور علاء السعيد، الخبير السياسي، في تصريحات خاصة لـ "بلدنا اليوم" إنه لا يعتقد أن تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بشأن احتمال اتخاذ مصر وتركيا وقطر إجراءات راديكالية ضد إسرائيل، إذا استمرت في عدم الالتزام باستحقاقات المرحلة الثانية، ينبغي قراءتها باعتبارها مجرد محاولة تركية لرفع سقف الخطاب السياسي، كما لا يرى أن فيدان كان يتحدث عن خطوات محددة اتفقت عليها الدول الثلاث وأصبحت جاهزة للتنفيذ.

وأوضح السعيد أن الأهم في تصريحات فيدان هو أن لغة الوسطاء نفسها بدأت تتغير، وأن الدول التي أمضت الفترة الماضية في محاولة منع انهيار الاتفاق أصبحت تقول، بصورة أكثر وضوحًا، إن قدرتها على الاستمرار في إدارة الأزمة بالطريقة نفسها ليست مفتوحة إلى ما لا نهاية.

وأشار إلى أن فيدان لم يحدد طبيعة هذه الإجراءات الراديكالية، وهي نقطة يجب التأكيد عليها حتى لا يتحول التقدير السياسي إلى معلومة، لكنه وضع المسألة في إطار واضح، مفاده أنه إذا استمر التعطيل الإسرائيلي، فقد تجد مصر وتركيا وقطر نفسها مضطرة إلى الانتقال إلى مستوى آخر من التعامل مع إسرائيل.

وأضاف السعيد أن وصف الإجراءات بأنها «راديكالية» لا يعني بالضرورة إجراءات عسكرية، ولا يرى أن مصر أو تركيا أو قطر تفكر في الدخول في مواجهة مباشرة مع إسرائيل، موضحًا أن الأمر أقرب إلى تغيير قواعد اللعبة السياسية والدبلوماسية التي حكمت عمل الوسطاء حتى الآن.

وقال إن المشكلة الأساسية تتمثل في أن الوساطة خلال الفترة الماضية قامت على فكرة أن هناك طرفين يجب الضغط عليهما من أجل الوصول إلى تسوية، حيث استخدمت مصر وقطر وتركيا ما لدى كل منها من علاقات ونفوذ واتصالات للضغط على الجانب الفلسطيني ودفعه نحو قبول الترتيبات المطلوبة، بينما كان يفترض أن تقوم الولايات المتحدة بالدور المقابل مع إسرائيل.

وتساءل: ماذا يحدث إذا قام الوسطاء بما عليهم، ثم اكتشفوا أن واشنطن لا تستخدم الثقل نفسه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو؟

ويرى السعيد أن الرسالة التي وجهها فيدان ليست موجهة إلى تل أبيب وحدها، وإنما ربما تكون موجهة إلى واشنطن بالدرجة الأولى، ومضمونها أن مصر وقطر وتركيا لا تستطيع الاستمرار في الضغط على طرف واحد، بينما يحصل الطرف الآخر على مساحة مفتوحة للمناورة وإعادة تفسير الاتفاق وإضافة شروط جديدة كلما اقترب موعد تنفيذ استحقاق من استحقاقاته.

الضغط الأمريكي على إسرائيل

وأكد أن الضغط الأمريكي على إسرائيل سيكون العنصر الحاسم في المرحلة المقبلة، موضحًا أن الولايات المتحدة ليست وسيطًا عاديًا في هذه الأزمة، بل هي الدولة الوحيدة تقريبًا التي تمتلك أدوات تأثير على إسرائيل تجعلها قادرة، إذا توافرت الإرادة السياسية، على نقل الموقف الإسرائيلي من الرفض إلى القبول.

وأشار إلى أن الأمر لا يتعلق فقط بالمساعدات العسكرية أو صفقات السلاح، وإنما أيضًا بالمظلة السياسية التي توفرها الولايات المتحدة لإسرائيل، والدعم الدبلوماسي والتنسيق الأمني والعلاقة الخاصة التي تجعل موقف البيت الأبيض عنصرًا حاضرًا في الحسابات الإسرائيلية الداخلية.

وأضاف: «السؤال الذي يجب أن نطرحه ليس هل تستطيع الولايات المتحدة الضغط على نتنياهو؟ بالطبع تستطيع. السؤال الحقيقي هو هل يريد ترامب أن يستخدم هذا النفوذ الآن؟».

وبحسب السعيد، فإن فرص حدوث ذلك أصبحت أكبر، ليس لأن واشنطن تبنت فجأة وجهة النظر العربية أو الفلسطينية، وإنما لأن استمرار التعطيل الإسرائيلي بدأ يهدد مشروعًا تريد الإدارة الأمريكية تقديمه باعتباره نجاحًا سياسيًا لها.

وأوضح أن هناك فارقًا كبيرًا بين أن تختلف إسرائيل مع الوسطاء، وبين أن تتحول إسرائيل نفسها إلى عقبة أمام خطة وضعت الولايات المتحدة ثقلها السياسي خلفها، مشيرًا إلى أن ترامب يستطيع التسامح مع قدر كبير من المناورة الإسرائيلية، لكنه لن يكون مرتاحًا إذا شعر بأن نتنياهو يضعه شخصيًا في موقف يبدو فيه الرئيس الأمريكي عاجزًا عن تنفيذ اتفاق رعته إدارته.

تحركات محتملة من الوسطاء

وفيما يتعلق بما يمكن أن تفعله مصر وتركيا وقطر إذا فشل الضغط الأمريكي، شدد السعيد على ضرورة التمييز بين ما أُعلن رسميًا وما يمكن توقعه سياسيًا، موضحًا أن الدول الثلاث لم تعلن حتى الآن حزمة إجراءات محددة، وبالتالي لا يمكن القول إن هناك قرارًا مصريًا بتجميد اتفاقية أو قطع علاقة، أو قرارًا قطريًا أو تركيًا بإجراء معين.

لكنه أشار إلى إمكانية قراءة اتجاه التحرك، موضحًا أن الخطوة الأولى قد تكون إنهاء حالة الغموض حول الطرف المسؤول عن التعطيل، إذ قد تتجه القاهرة والدوحة وأنقرة، إذا خلصت إلى أن إسرائيل هي التي تمنع الانتقال إلى المرحلة الثانية، إلى خطاب أكثر وضوحًا يحمل الحكومة الإسرائيلية المسؤولية السياسية عن تعطيل الاتفاق.

وأضاف أن الخطوة الثانية قد تتمثل في نقل الملف من دائرة الوساطة الهادئة إلى دائرة الضغط الدولي المنظم، من خلال تحرك الدول الثلاث بصورة مشتركة مع الدول العربية والإسلامية والأوروبية والأمم المتحدة، لبناء موقف دولي يطالب بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه، بدل الدخول في كل مرة في مفاوضات جديدة بشأن اتفاق سبق التفاوض عليه.

أما الخطوة الثالثة، والأكثر حساسية، فقد تتعلق بإعادة تقييم بعض أوجه العلاقات والتعاون مع إسرائيل، كل وفق حساباته ومصالحه. وأوضح أن تركيا تمتلك أوراقًا اقتصادية وسياسية ودبلوماسية، وقطر تمتلك شبكة علاقات دولية ونفوذًا مهمًا في واشنطن، بينما تمتلك مصر أوراقًا مختلفة بحكم الجغرافيا والحدود ومعبر رفح واتفاق السلام ودورها الذي لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات تخص مستقبل غزة.

 

وأكد السعيد أنه لا يعتقد أن مصر ستبدأ باستخدام الأوراق الكبرى، قائلًا إن القاهرة تعرف قيمة أوراقها، ولهذا تحديدًا لا تستخدمها بسهولة.

وأوضح أن اتفاق السلام المصري الإسرائيلي، على سبيل المثال، ليس ورقة تُلقى على الطاولة عند كل أزمة، وإنما يمثل جزءًا من معادلة أمن إقليمي عمرها عقود، ولذلك فإن أي تصعيد مصري، إذا حدث، سيبدأ على الأرجح من الأدوات السياسية والدبلوماسية، ثم يرتفع تدريجيًا إذا استمر التعنت الإسرائيلي.

وشدد على أن مصر وقطر وتركيا لا تريد انهيار الاتفاق أو العودة إلى نقطة الصفر، موضحًا أن الهدف من التلويح بالإجراءات الراديكالية ليس بالضرورة الوصول إليها، وإنما جعل إسرائيل وواشنطن تدركان أن استمرار الوضع الحالي ستكون له تكلفة.

وأضاف أن هذا في حد ذاته جزء من التفاوض، قائلًا إن أوراق القوة لا تُستخدم دائمًا، إذ يكفي أحيانًا أن يقتنع الطرف الآخر بأن الطرف المقابل أصبح مستعدًا لاستخدامها.

اختبار حقيقي لواشنطن

ويرى السعيد أن الوسطاء يقولون لواشنطن بصورة غير مباشرة: لقد استنفدنا جزءًا كبيرًا من قدرتنا على الضغط، وإذا كنتم تريدون الحفاظ على الاتفاق فعليكم القيام بالدور الذي لا يستطيع أحد غيركم القيام به، وهو الضغط الحقيقي على إسرائيل.

وفي المقابل، أوضح أن نتنياهو يحاول أن يفعل ما اعتاد فعله في معظم المفاوضات السابقة، بالحصول على أكبر قدر ممكن من المكاسب قبل الوصول إلى اللحظة التي يصبح فيها الرفض أكثر تكلفة من القبول.

وأشار إلى أن نتنياهو يدرك أن الانتقال إلى المرحلة الثانية يحمل استحقاقات سياسية وأمنية وداخلية شديدة التعقيد، وأن أي خطوة يقدم عليها ستُقرأ داخل إسرائيل قبل أن تُقرأ خارجها، ولذلك لا يتوقع أن يتراجع بسهولة.

لكنه أكد في الوقت نفسه أنه لا يعتقد أن نتنياهو يستطيع تجاهل ضغط أمريكي حقيقي إذا وصل هذا الضغط إلى مستوى معين، معتبرًا أن هذه ستكون لحظة الاختبار.

وأوضح أنه إذا اكتفت واشنطن بالمناشدات والتصريحات، فسوف تستمر إسرائيل في المناورة ومحاولة إعادة التفاوض على التفاصيل، أما إذا انتقل ترامب من مرحلة مطالبة نتنياهو بالتعاون إلى مرحلة إبلاغه بأن استمرار التعطيل أصبح يضر بالمصلحة الأمريكية وبصورة الإدارة نفسها، فستكون المعادلة مختلفة تمامًا.

محاولة أخيرة قبل التصعيد

وبحسب السعيد، فإن هذا هو السيناريو الأقرب قبل الوصول إلى أي إجراءات راديكالية من جانب الوسطاء، إذ سيُمنح الضغط الأمريكي فرصة أخيرة، وقد تجرى محاولة لصياغة مخرج يحفظ لنتنياهو قدرًا من القدرة على القول أمام الداخل الإسرائيلي إنه حصل على ضمانات إضافية، وفي الوقت نفسه يسمح ببدء تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية.

وأوضح أن هذه هي الطريقة المعتادة في مثل هذه الأزمات، إذ لا يُطلب من السياسي أن يعلن هزيمته، وإنما يُمنح شيئًا يستطيع تقديمه لجمهوره مقابل التراجع عن موقفه.

وأضاف أنه إذا فشلت هذه المحاولة أيضًا، فإن المشهد سيتغير، ولن تكون المشكلة مجرد خلاف على بند من بنود الاتفاق، وإنما أزمة ثقة كاملة بين الوسطاء وإسرائيل، وربما بين نتنياهو والإدارة الأمريكية نفسها.

وعندها، بحسب تقديره، يمكن فهم بصورة أوضح ما قصده فيدان عندما تحدث عن إجراءات راديكالية.

الكرة في ملعب واشنطن

واختتم السعيد حديثه بالقول إن القضية كلها يمكن اختصارها في معادلة واحدة، وهي أن مصر وتركيا وقطر تستطيع الضغط، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الولايات المتحدة في علاقتها بإسرائيل.

وأكد أن الكرة الآن ليست في القاهرة ولا الدوحة ولا أنقرة بقدر ما هي في واشنطن، مشيرًا إلى أنه إذا قرر ترامب أن المرحلة الثانية يجب أن تبدأ، وأن نتنياهو لم يعد يملك رفاهية تعطيلها، فستبدأ.

أما إذا لم تكن واشنطن مستعدة لاستخدام نفوذها الحقيقي، فسوف يكتشف الوسطاء أن المشكلة لم تعد في كيفية تنفيذ الاتفاق، وإنما في وجود طرف يعتقد أن بإمكانه الاحتفاظ بمكاسب المرحلة الأولى دون دفع ثمن الانتقال إلى المرحلة الثانية.

وعندها، وفق السعيد، سنكون أمام مرحلة جديدة تمامًا، لن يعود السؤال فيها: متى تبدأ المرحلة الثانية؟ وإنما: «هل بقي من الاتفاق ما يمكن الانتقال إليه أصلًا؟».

تم نسخ الرابط