بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
نجدى عيسى
رئيس التحرير
وليد الغمرى

محمود الطقش يكتب.. دلّوني على مالك مفاتيح أبواب صاحبة الجلالة!

الكاتب الصحفي محمود
الكاتب الصحفي محمود الطقش

أكتب إليكم هذه الكلمات وقلبي يملؤه الحزن والأسى على ما آلت إليه بعض الأمور داخل بلاط صاحبة الجلالة، تلك المهنة التي عشقنا ترابها واخترناها بإرادتنا، ولم ولن نختار سواها مهما كلفنا الأمر، وحملنا رسالتها على أكتافنا، وآمنا بأن الصحفي الحقيقي هو من يبحث عن الحقيقة، ويدافع عن المظلوم، ويسعى إلى إيصال صوت من لا صوت له.

لكن المفارقة المؤلمة أن من اختاروا مهنة الدفاع عن حقوق الناس، قد وجدوا أنفسهم وقتاً من الأوقات عاجزين عن الحصول على أبسط حقوقهم المهنية، وهو أن تكون لهم فرصة عادلة في الانضمام إلى نقابة الصحفيين.

سنوات طويلة قضيتها متنقلاً بين صحيفة وأخرى، وموقع وآخر، وقسم وآخر، وتحت إدارات متعددة بحثًا عن المكان الذي أشعر فيه بأنني أنتمي إلى هذه المهنة حقًا دون تضييق، لم أكن أفهم في البداية لماذا كانت بعض الأبواب تغلق أمامي، ولماذا كان الطريق إلى الاستقرار المهني يظهر دائمًا أكثر صعوبة مما ينبغي.

ومع مرور السنوات بدأت للأسف أفهم أن الحياة المهنية في بعض الأحيان لا تقوم فقط على الموهبة والاجتهاد والعمل، وإنما قد تتدخل فيها اعتبارات أخرى، من بينها العلاقات والمعارف ووجود من يساندك ويفتح لك الأبواب المغلقة.

لم أملك ظهرًا أستند إليه ولا واسطة تفتح لي طريقًا، ولا معرفة بأحد يستطيع أن يقول خذوه فهذا  صحفي يستحق الفرصة ولا تقتلوا حلمه.

كنت أتنقل بين المحافظات، وأسافر مئات الكيلومترات من أجل تحقيق صحفي أو حوار أو تغطية حدث، كنت أعود في أوقات متأخرة، وأواصل العمل رغم الإرهاق، لأن بداخلي حلمًا لم أسمح لأحد أن يقتله.

وفي كل مرة كان التعب يشتد كنت أقول لنفسي "اثبت"فقبلك تعب عمالقة وكافح صحفيون كبار حتى صنعوا أسماءهم بأنفسهم وانت لم تفعل شئ حتى الآن.

لم يكن الأمر مجرد وظيفة بالنسبة لي بل كان حلمًا وحياة كاملة، كنت أترك الكثير من الأشياء من أجل لحظة أكتب فيها إسمي على موضوع منشور في عدد ورقي، أو أرى جهدي وقد أصبح جزءًا من صحيفة تحمل إسمها في الشارع.

عملت لفترات طويلة في مواقع إلكترونية، وعندما كنت أتطلع إلى الانتقال إلى الصحيفة الورقية كانت الأبواب تغلق أمامي دون أن أعرف السبب الحقيقي، وفي أوقات كثيرة كنت أكتشف أن المسألة مرتبطة بعدم تثبيتي أو استقراري داخل الصحيفة، وهو ما يعني في النهاية غياب الأمان الوظيفي والتأمين والاستقرار الذي يبحث عنه أي إنسان.

كانت دموعي تنزل أحيانًا لأنني كنت أشتاق فقط إلى أن أرى اسمي على تحقيق أو حوار في عدد ورقي عند باعة الصحف الذين دائما ما أقف أمامهم آملاً أن أجد إسمي يوما ما من بين هؤلاء الصحفيين ويقال كتب فلان.

ومن لا يعرف عذاب الروح ربما يظن أن الأمر بسيط، لكن عذاب الروح أقسى كثيرًا من عذاب الجسد، لأن الإنسان عندما يشعر أن مجهوده لا يراه أحد، وأن حلمه يتأجل مرة بعد أخرى، يبدأ في خوض معركة داخل نفسه لا يراها أحد.

تنقلت كثيرًا بين الصحف وتحملت الكثير والكثير وكل ذلك من أجل حلم كنت أراه كبيرًا وعزيزًا، وهو الحصول على عضوية نقابة الصحفيين.

كنت أرى النقابة باعتبارها بيتًا لكل من اختار الصحافة طريقًا، ومظلة تحمي الصحفي وتدافع عن حقوقه، وليس بابًا لا يُفتح إلا لمن يملك مفتاحًا معينًا.

حتى جاءت اللحظة التي وجدت فيها مؤسسة فتحت لي أبوابها كاملة، وأعطتني الفرصة التي كنت أبحث عنها منذ سنوات، عملت بها بجد وأجريت حوارات مع شخصيات سياسية وعسكرية وعامة، وخضت تجارب صحفية كثيرة، وشعرت للمرة الأولى أنني وجدت كياني المهني.

كنت أظن أن الطريق أصبح واضحًا، وأن سنوات التعب اقتربت من نهايتها، وأن حلم العضوية أصبح أقرب من أي وقت مضى.

ثم جاءت لحظة لجنة القيد، وهنا بدأت الحكاية تأخذ منحى آخر لم أتوقعه.

ففي كل مرة كنت أذهب إلى النقابة، كنت أحمل معي سنوات من العمل والتعب، وأحمل فوق كتفي حلمًا ظللت أطارده طويلًا، كنت أذهب نهارًا وليلاً، وكانت أبواب النقابة بالنسبة لي مفتوحة من حيث المبدأ، لكن الدخول الرسمي إلى البيت ظل حلمًا مؤجلًا.

هذه المرة كانت الجريدة قد فتحت لي أبوابها، ولم تبخل عليّ بشيء، وكنت أرى أن الظروف المهنية أصبحت أكثر ملاءمة لتحقيق حلمي.

لكن المفاجأة أن العائق في هذه المرة لم يعد الجريدة، وإنما العائق يتمثل في قرارات أو مواقف لأشخاص يملكون بشكل أو بآخر مفاتيح أبواب صاحبة الجلالة وهذا ليس لي وحدي وإنما لعدد من الزملاء داخل مؤسسات صحفية مختلفة.

وهنا لا أتحدث عن امتياز شخصي أطالب به ولا أطلب أن تتم معاملتي بصورة استثنائية، وإنما أبحث عن شيء واحد فقط وهو العدالة، فإذا كان هناك صحفي لا يستحق العضوية، فليقال له بوضوح لماذ؟، وإذا كانت هناك أوراق أو شروط أو ضوابط تنقصه، فليمنح فرصة لاستكمالها.

أما أن يظل الصحفي سنوات يعمل ويجتهد ويسافر ويحقق ويكتب، ثم يجد نفسه أمام أبواب مغلقة لا يعرف من أغلقها ولماذا، فهنا يصبح السؤال مشروعًا، بل وضروريًا جداً.

أنا لا أكتب هذه الكلمات بحثًا عن معركة ولا أريد خصومة مع أحد مهما كان ولا أبحث عن مجاملة من أحد مهما بلغ، ولكن كل ما أريده أن يكون المعيار والميزان واحدًا، والباب مفتوحًا أمام الجميع وفق القانون واللوائح المحددة.

فالصحافة ليست ناديًا خاصًا لأصحاب العلاقات، وليست مهنة تورثها المعرفة الشخصية، وإنما رسالة تحتاج إلى أصحاب الموهبة والضمير والاجتهاد.

وأتساءل بكل صدق وألم أمام الجميع من يملك مفاتيح أبواب صاحبة الجلالة؟، ومن يحدد من يدخل ومن يبقى خارج الباب؟، ومن يملك حق تقرير مستقبل صحفي قضى سنوات عمره يبحث عن فرصة عادلة؟

ربما يكون السؤال مؤلمًا ومزعجاً  للبعض، لكنني أؤمن أن الصحافة التي نطالب من خلالها الآخرين بالشفافية، يجب أن تكون هي أول من يطبقها على نفسها.

لا أريد أكثر من حقي، ولا أطلب أقل من حق زملائي، ولكن أريد فقط أن أعرف ، هل الطريق إلى نقابة الصحفيين يفتح بالكفاءة والعمل والصبر، أم أن هناك مفاتيح أخرى لا نعرف أين توجد ومن يحملها؟، وإذا كانت صاحبة الجلالة بيتًا للصحفيين جميعًا، فمن حقنا أن نسأل "لماذا تقف بعض الأبواب أمامنا مغلقة"؟.

تم نسخ الرابط