14 عاما على رحيل محمود الجوهري.. أسطورة الكرة المصرية وصاحب الإنجاز التاريخي
بعد مسيرة حافلة مع كرة القدم امتدت لأكثر من نصف قرن لاعبًا ومدربًا، تحل الذكرى الرابعة عشرة لرحيل أسطورة التدريب المصرية والعربية محمود الجوهري، الذي غاب عن عالمنا في 3 سبتمبر 2012 بالعاصمة الأردنية عمان، بعدما ترك إرثًا استثنائيًا من الإنجازات والذكريات التي يصعب محوها من تاريخ الكرة المصرية والأفريقية والعربية.
وما بين ميلاده في 20 فبراير 1938 ورحيله، خاض الجوهري تجارب عديدة جعلته واحدًا من أبرز الشخصيات التي أثرت في كرة القدم المصرية، سواء داخل الملعب عندما كان لاعبًا، أو خارجه بعدما تحول إلى أحد أشهر المدربين في تاريخ اللعبة.
«التتش الصغير» يكتب أول فصول الحكاية
بدأ محمود الجوهري مشواره لاعبًا في صفوف الأهلي عام 1955، قبل أن يعتزل مبكرًا بسبب إصابة في الركبة، بعدما حقق خلال سنواته داخل القلعة الحمراء عددًا من البطولات المحلية.
وعلى المستوى الدولي، كان الجوهري أحد أفراد المنتخب المصري الذي توج بكأس الأمم الأفريقية عام 1959، كما تصدر قائمة هدافي البطولة، ليبدأ منذ ذلك الوقت في ترك بصمته مع الكرة المصرية.
ولم تتوقف علاقته باللعبة بعد اعتزاله، إذ اتجه إلى مجال التدريب، وكانت بدايته من داخل الأهلي، قبل أن يبدأ رحلة طويلة قادته إلى أندية ومنتخبات عربية مختلفة.
الأهلي والزمالك.. إنجازات صنعت الاستثناء
تولى الجوهري قيادة الأهلي في بداية الثمانينيات، ونجح في قيادة الفريق إلى أول لقب أفريقي في تاريخه عندما توج ببطولة أفريقيا للأندية أبطال الدوري عام 1982، كما حقق مع الفريق كأس الكؤوس الأفريقية عام 1985 إلى جانب بطولات محلية.
وفي عام 1993 خاض الجوهري واحدة من أكثر تجاربه إثارة للجدل، بعدما تولى تدريب الزمالك، الغريم التقليدي للأهلي الذي صنع معه جزءًا كبيرًا من تاريخه.
ولم يكتف الجوهري بخوض التجربة، بل قاد الزمالك للفوز ببطولة أفريقيا للأندية أبطال الدوري عام 1993، ثم أضاف كأس السوبر الأفريقي عام 1994 على حساب الأهلي، ليصبح أول مدرب يتوج بالبطولة الأفريقية الكبرى مع قطبي الكرة المصرية.
لكن الإنجاز الذي ارتبط باسم محمود الجوهري بصورة أكبر كان مع منتخب مصر، بعدما تولى قيادة الفراعنة عام 1988 ووضع أمامه هدفًا واضحًا، وهو إعادة المنتخب إلى كأس العالم بعد غياب طويل.
وبالفعل، نجح الجوهري في قيادة مصر إلى مونديال إيطاليا 1990، لتعود الكرة المصرية إلى البطولة العالمية للمرة الثانية في تاريخها بعد مشاركة 1934، عقب غياب استمر 56 عامًا.
من التدريبات الشاقة إلى ليلة الجزائر التاريخية
اعتمد الجوهري خلال فترة قيادته للمنتخب على أسلوب صارم في الإعداد، مستفيدًا من خلفيته العسكرية، وهو ما أكسب الفريق لقب «كتيبة الجوهري».
وخاض المنتخب المصري مشوارًا قويًا في التصفيات، قبل أن يصل إلى المواجهة الحاسمة أمام الجزائر، التي كانت تضم مجموعة من أبرز نجوم الكرة العربية في ذلك الوقت.
وجاءت لحظة الحسم في القاهرة عندما سجل حسام حسن هدف التأهل، لتبدأ احتفالات المصريين بعودة الفراعنة إلى كأس العالم بعد أكثر من خمسة عقود من الغياب.
لم تكن مشاركة مصر في مونديال 1990 مجرد حضور عابر، إذ وقعت في مجموعة ضمت هولندا وإنجلترا وأيرلندا.
وفي المباراة الأولى، قدم منتخب مصر أداءً قويًا أمام هولندا، بطلة أوروبا وقتها، وانتهى اللقاء بالتعادل 1-1، قبل أن يتعادل الفراعنة مع أيرلندا دون أهداف، ثم يخسروا أمام إنجلترا بهدف نظيف.
ورغم الخروج من الدور الأول، خرج المنتخب المصري من البطولة بصورة مشرفة، بعدما أثبت الجوهري أن الكرة المصرية قادرة على مقارعة كبار العالم.
كأس العرب وأمم أفريقيا.. الجنرال يكتب فصلًا جديدًا
واصل الجوهري كتابة التاريخ مع المنتخب المصري، وقاد الفراعنة للتتويج بكأس العرب عام 1992، قبل أن يعود في 1998 ليقود المنتخب إلى لقب كأس الأمم الأفريقية في بوركينا فاسو بعد الفوز على جنوب أفريقيا في النهائي.
وبهذا الإنجاز، أصبح الجوهري أول مدرب يتوج بكأس الأمم الأفريقية لاعبًا ومدربًا، بعدما سبق له الفوز بالبطولة مع مصر كلاعب عام 1959.
امتدت بصمة الجوهري إلى الكرة الأردنية أيضًا، بعدما تولى تدريب المنتخب الأردني وقاده إلى التأهل لكأس آسيا 2004 للمرة الأولى في تاريخ الأردن، قبل أن يصل الفريق إلى دور الثمانية ويخرج أمام اليابان بركلات الترجيح.
كما حقق مع المنتخب الأردني نتائج بارزة في البطولات العربية والإقليمية، ليؤكد أن تأثيره لم يكن مقتصرًا على الكرة المصرية.
الرحيل.. الجسد غاب والأسطورة بقيت
بعد سنوات طويلة قضاها في خدمة كرة القدم، انتقل الجوهري إلى العمل الإداري والفني، وشغل منصب المدير الفني للاتحاد المصري لكرة القدم، ثم عمل مستشارًا للاتحاد الأردني.
وفي سبتمبر 2012، توفي محمود الجوهري عن عمر ناهز 74 عامًا في العاصمة الأردنية عمان، لتنتهي رحلة رجل لم يكن مجرد مدرب حقق البطولات، وإنما شخصية تركت بصمتها في أجيال كاملة من لاعبي الكرة المصرية والعربية.
وبعد 14 عامًا على رحيله، لا تزال صورة «الجنرال» حاضرة كلما ذُكرت عودة مصر إلى كأس العالم، أو إنجازات الأهلي والزمالك القارية، أو واحدة من أبرز صفحات تاريخ الكرة المصرية.

