خالد عامر يكتب: انهيار القانون الدولي وبداية المواجهة في الشرق الأوسط
في عالم السياسة والحروب لا توجد مصادفات بل توجد رسائل تكتب بحبر البارود فخلال الساعات القليلة الماضية ومع تزامن ذكري هجمات الحادي عشر من سبتمبر الحدث الذي تسبب في إعادة هندسة الشرق الأوسط من جديد تلقى المشهد الاستراتيجي في الشرق الأوسط ضربتين متتاليتين إحداهما في أقصى الجنوب عند شواطئ البحر الاحمر والاخرى في الشمال بجبال لبنان هاتان الضربتان لم تكونا مجرد مناوشات حدودية بل كانتا إشارة لموت الجغرافيا كعامل حاسم في المعادلات العسكرية ودخول المنطقة نفق الحرب الشاملة التي لا تعترف بالحدود الدولية ولا بقواعد الاشتباك التقليدية.
ففي الجنوب اليمني لم تعد مدينة المخا وميناؤها الاستراتيجي وما يجاورها من جزر يمنية في البحر الأحمر مجرد مكاسب ميدانية محلية للحوثيين لكن السيطرة على هذه النقطة تمثل قفزة نوعية في مفهوم الحصار الاستراتيجي فمن يمسك بـ المخا وجزرها يمسك بقلب باب المندب الشريان الذي لا يغذي التجارة العالمية فحسب بل هو شريان الحياة للاقتصاد العربي هذه السيطرة تحولت إلى ورقة ضغط من العيار الثقيل فهي تضع يدها على حنجرة الاقتصاد الإقليمي وترفع من تكلفة أي تصعيد عسكري لتوجه رسالة واضحة أن أمن الممرات المائية لم يعد مضمونا بـ القوات الدولية بل يفرض بالقوة الصلبة مما يهدد بتحويل البحر الأحمر إلى بحيرة ملتهبة تمس الأمن القومي العربي.
ولم تكاد تمضي ساعات على هذا التطور في البحر الأحمر حتى جاءت الصدمة من جبهة الشمال غارات إسرائيلية عنيفة ومكثفة استهدفت تلال على الطاهر في جنوب لبنان ولم تكن تهدف إلى التدمير فحسب بل إلى السيطرة والتموضع
فالقارئ للخرائط اللبنانية يدرك أن السيطرة على هذه التلال تعني عمليا كشف كامل لجنوب لبنان ومنح الجيش الإسرائيلي ميزة الرصد والاستهداف المطلق وتحويل القرى والبلدات إلى أهداف مكشوفة فهذه محاولة لكسر معادلة الردع في الجنوب اللبناني لكن المفاجأة كانت أن هذه الضربة لم تكن معزولة بل كانت جزءا من نيران متقاطعة تدار من غرفة عمليات إقليمية واحدة.
فما نراه اليوم هو التطبيق الميداني الأخطر لمفهوم وحدة الساحات لقد أثبتت الأحداث أن المسافة بين صنعاء وبيروت هي مجرد وهم بصري فالجبهات الآن تتشارك في نبض واحد ضربة في البحر الأحمر تقابلها فورا ضربة في تلال لبنان والعكس صحيح
والأعمق من ذلك أننا نشهد ولادة حرب غير متكافئة ترهق الخصم ففي الوقت الذي تدار فيه المعركة من قبل إيران وتوابعها بأدوات منخفضة التكلفة مثل مسيرات زوارق مفخخة صواريخ بحرية فيجبر التحالف الغربي والإسرائيلي على إنفاق مليارات الدولارات لتحريك قطع بحرية وتشغيل منظومات دفاعية باهظة هذه المعادلة تسحب العدو إلى حرب استنزاف اقتصادي وعسكري لا تمتلك منظوماته التقليدية المصممة للحروب المحدودة أي مناعة ضدها.
إذا لماذا تحدث هذه الحرب الآن وبهذه القوة؟ لأننا نشهد إعلان وفاة النظام الدولي فعندما تعجز الأمم المتحدة ومجلس الأمن عن ردع أي طرف وتشل آليات الضغط الدبلوماسي تعود المنطقة إلى قانون الغاب حيث تفرض المعادلات بالنار فقط.
ونحن اليوم في مرحلة ضربة مقابل ضربة وهي التمهيدات الخطيرة لما يرجح أن يكون أكبر معركة عسكرية في تاريخ الشرق الأوسط الحديث إنها لن تكون حربا محدودة بل مواجهة شاملة ومركبة ستشمل كافة الجبهات برا وبحرا وجوا وربما في الفضاء السيبراني.
إذا عزيزى القارئ ومما لا شك فية ان الشرق الأوسط يقف على فوهة بركان والجماهير العربية ترقب بقلق هذا الزحف نحو أم المعارك وفي خضم هذا السباق المحموم تتجلى حقيقة واحدة لا مفر منها الكرة الآن في الملعب العربي لقد آن الأوان للخروج من حالة المتفرج القلق لحماية المصير المشترك فمن يسيطر على مضايق البحر الأحمر وتلال الجنوب اليوم هو من سيملي شروط التسوية غدا ومن لا يملك قوة الردع سيجبر على ابتلاع الهزيمة