الإعلامية هنا عبد الفتاح تكتب: الشرف.. الكذبة التي يقتلون بها الأطفال
نحن لا نعيش في مجتمع متدين، نحن نعيش في مجتمع يمثل التدين.
مجتمع يحفظ شكل الدين وينسى روحه، يحفظ كلمة الشرف ويقتل معناها.
أخطر ما في فكرة الشرف في مجتمعنا أنها تحولت من قيمة أخلاقية داخلية، إلى سلاح ذكوري في يد من لا شرف له. سلاح يستخدم ضد الأضعف، ضد الطفل، وضد البنت تحديداً. فنحن لا نسمع أبداً عن رجل قتل لأنه خان، ولا عن شاب ذبح لأنه زنا، لكننا نسمع كل يوم عن بنت قتلت لأنها أحبت، أو لأنها تحدثت، أو لأنها رفضت، أو حتى لأن الشك ساور أحدهم فيها.
أي شرف هذا الذي لا يثور إلا على جسد المرأة؟
نحن مجتمع جاهل بامتياز، ليس الجهل هنا هو عدم القراءة والكتابة، بل جهل بالدين، وجهل بالعدل، وجهل بمعنى الرجولة. مجتمع لا يفرق بين الحلال والحرام إلا بما يوافق هواه.
يحرم الحلال بحجة المشاعر، ويحلل الحرام بحجة النزوة.
الزواج الثاني حلال بنص القرآن، بضوابطه وشروطه وعدله، لكن المجتمع يقف ضده وقفة المحارب. يسميه خيانة، يسميه غدراً، تخرج علينا البرامج والمسلسلات لتجرمه، وتعتبر الرجل الذي يفعله خائناً لزوجته الأولى. في حين أن نفس المجتمع يتعامل مع الزنا الحقيقي، ومع العلاقات المحرمة الكاملة، على أنها "نزوة" و "غلطة" و "كل الرجالة كده".
نحرم ما أحل الله لأنه لا يعجبنا، ونحلل ما حرم الله لأنه يعجبنا. نسمي الأشياء بغير أسمائها حتى نستحلها. فالرشوة أصبحت إكرامية، والربا أصبح فوائد، والتبرج أصبح حرية شخصية، والخوض في الأعراض أصبح فضفضة، والدياثة أصبحت انفتاحاً.
نحن مجتمع يخوض في الأعراض ليل نهار. في المقاهي، في العمل، على صفحات السوشيال ميديا. لا نترك بيتاً إلا وتحدثنا عن بناته، ولا نترك امرأة إلا وفتشنا في سلوكها. نأكل لحوم بعضنا ونحن نتوضأ.
والغريب أننا نفعل كل هذا باسم الشرف، وباسم الدين، والدين منا براء.
يروى أن رجلاً جاء إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وقال له: يا أمير المؤمنين، أرأيت لو وجدت رجلاً مع امرأتي، ماذا أفعل؟ وكان ينتظر منه أن يشرع له القتل، أن يعطيه سكيناً مقدساً يذبح به. فكان رد علي بن أبي طالب الذي يجب أن يكتب بماء الذهب على أبواب المحاكم: "لو رأيتهما بعيني لسترتهما بطرف ردائي".
يا الله.. لو رأيتهما بعيني لسترتهما.
هذا هو الإسلام الذي لا نعرفه. إسلام الستر، لا إسلام الفضيحة. إسلام العدل، لا إسلام الثأر. إسلام الرحمة، لا إسلام الذبح.
الإسلام الذي جاء ليستر الناس، نحن جئنا لنفضحهم. الإسلام الذي جاء ليضع أربعة شهود عدول لرؤية الزنا رأي العين وفي مكان واحد وفي توقيت واحد حتى لا يتهم الناس بعضهم بالباطل، جعلناه نحن كلمة يقولها أب جاهل أو أخ متهور فيقتل ابنته في نفس اللحظة.
هل تعلمون لماذا اشترط الإسلام أربعة شهود؟ ليس لتسهيل إثبات الزنا، بل لتصعيب إثباته. ليستر المجتمع. ليقول لك: حتى لو رأيت، فاصمت واستر. لأن الستر هو الأصل.
فأين نحن من هذا؟ أين نحن من علي؟
الشرف ليس في دم البنت. الشرف الحقيقي هو أن لا تكذب، أن لا تسرق، أن لا تخون الأمانة، أن لا تظلم، أن لا تأكل مال اليتيم، أن لا تغش في عملك. الشرف أن تكون عادلاً.
لكننا اختصرنا كل منظومة الأخلاق الضخمة في جسد فتاة مراهقة. فأصبح الرجل الذي يسرق ويرتشي ويكذب ويظلم الناس شريفاً، طالما أن أخته لم تتزوج بمن لا يريد. وأصبحت المرأة التي تربي وتعمل وتجتهد غير شريفة، لمجرد أنها قررت أن تختار حياتها.
هذا ليس شرفاً، هذا جبن. القوي لا يختبر قوته على الضعيف. الرجولة ليست أن تحمل سكيناً وتذبح طفلة لا تستطيع الدفاع عن نفسها. الرجولة أن تحميها، حتى لو أخطأت. أن تقومها، أن تحتويها، أن تكون لها أباً.
الطفلة التي تقتل باسم الشرف لم ترتكب جريمة، الجريمة ارتكبها مجتمع كامل علمها أن جسدها عار، وأن حبها عار، وأن صوتها عار، ثم قتلها لأنها صدقت أن لها جسداً.
نحن نقتل الضحية ونترك الجلاد. نقتل البنت التي هربت من عنف أبيها، ولا نحاسب الأب العنيف. نقتل البنت التي خدعها ذئب بكلام معسول، ونترك الذئب يبحث عن ضحية جديدة. نحن نعالج أعراض المرض بقتل المريض.
لو كان الشرف كما نفهمه، لكان أولى الناس أن يقتلوا هم الرجال الذين يخونون زوجاتهم كل يوم، ويملؤون الشقق المفروشة، ويتحدثون عن مغامراتهم في كل مجلس بفخر. لكن هؤلاء لا يقترب منهم أحد، لأن شرف المجتمع الذكوري لا يسكن إلا في رحم المرأة.
نحتاج أن نعيد تعريف الشرف.
الشرف أن تربي ابنتك على العلم والقوة والكرامة، لا على الخوف.
الشرف أن تعلم ابنك أن المرأة إنسان مثله، ليست شرفك، هي شرف نفسها.
الشرف أن تتوقف عن تبرير القتل. لا يوجد قتل شريف. القتل قتل. والقاتل مجرم، حتى لو كان أباً أو أخاً.
الشرف أن نعود لروح الدين: الستر، والرحمة، والعدل.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة". فلماذا أصبحنا أمة تفضح ولا تستر؟
أوقفوا هذه المسرحية الدموية. لا يوجد شرف في جثة طفلة. يوجد جريمة، ويوجد مجتمع جاهل يصفق للجريمة.
---