ارتباك حسابي بين "الشكارة والرغيف" يربك منظومة الخبز الجديدة.. وشعبة المخابز تطالب بإعفاء أصحاب المخابز من الدائرة المالية
تكشف الأرقام الأولية بعد شهرين من تطبيق منظومة الخصم المباشر للخبز عن مفارقة خطيرة، فبينما روجت الحكومة للنظام الجديد كأداة لوقف نزيف مليارات الدعم، رصدت تقارير رقابية داخلية هدرا وتسريبا للدقيق المدعم تجاوز حاجز الملياري جنيه، لتتحول معركة "حوكمة الدعم" إلى أزمة تهدد بانهيار المنظومة من داخلها.
وتستغيث المخابز من ثغرات التطبيق وتخبط الحسابات بين المحاسبة بـ"الشكارة" والمحاسبة بـ"الرغيف"، وتؤكد شعبة المخابز أن تكلفة الإنتاج غير العادلة وانتظار الساعات أمام البنوك يوميا يدفعان بعض أصحاب المخابز نحو السوق السوداء، فيما يبقى رغيف المواطن البسيط هو الضحية الأولى بين قرار قومي متعثر ومصالح متضاربة.
المخابز تستغيث
وفي هذا السياق، كشف خالد فكري، رئيس شعبة المخابز بالغرفة التجارية، تفاصيل آلية العمل بمنظومة التكلفة المباشرة للخبز، مؤكدا أنها أعادت تنظيم الدورة المالية بين هيئة السلع التموينية والمطاحن وأصحاب المخابز، وأتاحت لصاحب المخبز الحصول على كامل مستحقاته شاملة هامش الربح وتكاليف التشغيل والعمالة وقيمة الدقيق، على أن يتولى بعد ذلك إيداع قيمة الدقيق في الحساب البنكي المخصص لصالح المطحن، مشددا على أن هذه الآلية الجديدة لم تتسبب في أي أزمة تتعلق بتوافر رغيف الخبز المدعم للمواطنين.
وأوضح "فكري"، أن المنظومة تستهدف ضبط الدورة المالية وتقليل الهدر المرتبط بفروق كميات الدقيق، نافيا ما يتردد عن استهداف المخابز الصغيرة، ولفت إلى أن الحديث عن سرقة الدقيق يعد ملفا منفصلا تماما عن آلية التكلفة المباشرة، مؤكدا أن أي مخالفة يجب التعامل معها عبر الأجهزة الرقابية بعد التحقق من صحتها، ومحذرا من الانسياق وراء البلاغات غير الموثقة التي قد تكون ناتجة عن خلافات شخصية بين المواطن وصاحب المخبز.
ودعا رئيس الشعبة، المواطنين إلى الاضطلاع بدورهم الرقابي عبر توثيق أي مخالفة يرصدونها داخل المخابز، وإرسال اسم المخبز وعنوانه وتفاصيل الواقعة مصحوبة بالدليل إلى الجهات المختصة، لتمكينها من النزول الميداني والتأكد من صحة البلاغ واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، مؤكدا في الوقت ذاته رفض التعميم على جميع أصحاب المخابز في حال ثبوت مخالفات فردية تتعلق بوزن الرغيف.
وأشار "فكري"، إلى أن التحدي الأكبر الذي يواجه القطاع حاليا لا يتمثل في الدقيق أو التكلفة، وإنما في النقص الحاد في العمالة المدربة، موضحا أن المهنة تعاني من عزوف الشباب عن العمل داخل المخابز بسبب طبيعة العمل الشاقة التي تبدأ في ساعات الفجر الأولى، وتوجههم إلى مهن أخرى توفر ظروف عمل ودخلا أفضل، مما يضطر أصحاب المخابز إلى البحث عن العمالة في تجمعات الحرفيين بشكل غير منتظم.
وطالب بإنشاء مراكز ومدارس متخصصة للتدريب المهني على حرفة الخبازة على غرار باقي الحرف الصناعية، تمنح المتدرب تأهيلا وشهادة معتمدة، مع وضع حوافز تشجيعية للالتحاق بها، مؤكدا أن هذه الخطوة من شأنها سد الفجوة في سوق العمل وتوفير أجيال جديدة من العمالة المؤهلة، لافتا إلى أن أزمة نقص العمالة لا تقتصر على المخابز وحدها بل تمتد إلى معظم المهن الحرفية في مصر.
حسابات متناقضة
في حين كشف خالد صبري، المتحدث الرسمي باسم شعبة المخابز، عن وجود ثغرات كبيرة في تطبيق منظومة الخصم المباشر أدت إلى زيادة الهدر وفتحت الباب أمام التلاعب، موضحا أن أصحاب المخابز يهدرون أكثر من ثلاث إلى أربع ساعات يوميا في الانتظار داخل البنوك لمجرد الحصول على ثمن الدقيق لتوريده إلى المطاحن، وهو ما اعتبره مهمة شاقة ومعطلة للإنتاج.
وأوضح "صبري"، أن جوهر المشكلة يكمن في حالة التخبط الحسابي التي يعيشها صاحب المخبز، حيث يحاسب هو على أساس "الشكارة" بينما تحاسبه وزارة التموين على أساس "الرغيف"، مما يؤدي باستمرار إلى ظهور عجز في الحسابات، مؤكدا أن هذا التناقض يمثل بيئة خصبة للهدر غير المقصود والاتهام بالسرقة، واقترح لحلها أن يتم الخصم المباشر من حساب الهيئة العامة للسلع التموينية إلى المطحن مباشرة، وإعفاء صاحب المخبز نهائيا من هذه الدائرة المالية.
وفيما يتعلق بالأزمة المالية، أكد المتحدث أن المخابز تعاني من تكلفة إنتاج غير عادلة، حيث طالبت الشعبة بزيادة 40% في التكلفة لمواكبة ارتفاع الأسعار، بينما لم توافق الوزارة سوى على 10% فقط مع وعود بالتحسين لاحقا، وهو ما وصفه بأنه لا يفي بالغرض ولا يسد العجز، مما يدفع بعض أصحاب المخابز للجوء إلى تسريب الدقيق إلى السوق السوداء كمحاولة يائسة لتعويض الخسارة وتغطية أجور العمال.
وطالب "صبري"، بإعادة النظر في القرار الوزاري رقم 175 الذي يتضمن عقوبات تعسفية، معتبرا أن عقوبة غلق المخبز لا تعاقب صاحبه فقط بل تعاقب المواطن نفسه الذي يضطر لتحمل تكلفة مواصلات إضافية للوصول إلى مخبز آخر، كما أن المخبز الواحد يعول أكثر من سبع أو ثماني أسر، لذا اقترح استبدال عقوبة الغلق بمضاعفة الغرامة المالية، وإلغاء العقوبات البدنية التي تصل إلى الحبس، مادامت هناك غرامة مالية مقررة، وذلك لضمان استمرارية العمل واستقرار منظومة الخبز المدعم.
حوكمة الدعم
وبدوره، قال الدكتور خالد الشافعي، الخبير الاقتصادي، إن التحليلات الاقتصادية المتعلقة بتطبيق نظام الخصم المباشر والكارت الموحد في منظومة دعم الخبز تكشف عن تحول جوهري نحو إدارة أكثر كفاءة وحوكمة لموارد الدولة، موضحا أن النظام الجديد يستهدف معالجة الاختلالات الهيكلية التي شابت المنظومة التقليدية، وبناء شبكة حماية اجتماعية مرنة وقادرة على مواكبة المتغيرات الاقتصادية العالمية.
وأضاف "الشافعي"، أن الرؤية الاقتصادية لتقليص الهدر تؤكد أن تطبيق نظام الخصم المباشر عبر الكارت الموحد يسهم بشكل فعال في الحد من الفقد والتسريب في فاتورة الدعم، حيث تعتمد المنظومة الرقمية على التحقق اللحظي من أحقية المواطن من خلال الربط المباشر مع قواعد بيانات الدعم وتفعيل آليات الرقابة الميدانية الرقمية، وهو ما يمثل نقلة نوعية في ضبط المنظومة.
ولفت إلى أن هذا التحول التكنولوجي يغلق منافذ التلاعب التقليدية، مثل استخدام البطاقات الوهمية أو المزدوجة، والتي كانت تتسبب في تسريب ما يتراوح بين 15% إلى 20% من إجمالي المخصصات إلى السوق السوداء لإعادة بيع الدقيق تجاريا، لافتا إلى أن التتبع الرقمي لحركة الدقيق داخل المخابز ورصد المبيعات الفعلية يقلل من معدلات الهدر الناتج عن إنتاج كميات تتجاوز الاستهلاك الحقيقي للمواطنين.
وأوضح" الشافعي"، أن هذا المسار يتيح للدولة ترشيد الإنفاق العام وفصل قيمة الدعم المالي عن التداول النقدي المباشر مع أصحاب المخابز، مع توجيه المبالغ التي يتم توفيرها لدعم الفئات الأكثر احتياجا والعمل على تحسين جودة الرغيف النهائي المقدم للمواطن، بما يحقق التوازن بين ضبط الموازنة وحماية حقوق المستحقين.
وأكد على أن السيناريو الأفضل لضمان استدامة رغيف الخبز في ظل ارتفاع الأسعار العالمية وتذبذب سلاسل الإمداد، يتمثل في التحول التدريجي والمدروس من الدعم العيني إلى الدعم النقدي المشروط المرتبط بمعادلة تضخمية ديناميكية، من خلال تحديد قيمة مالية شهرية لكل فرد داخل الكارت الموحد تعكس السعر الحقيقي للخبز وتتعدل دوريا وفقا لأسعار القمح العالمية وسعر الصرف، مع ترك حرية الشراء للمواطن بالسعر الحر المنظم.
واختتم الخبير الاقتصادي رؤيته موضحا أن ذلك يخفف العبء عن الموازنة العامة ويحفز المخابز على تحسين الجودة للحصول على القيمة السوقية العادلة فوريا، كما يسهم في ترشيد الاستهلاك دون المساس بالقدرة الشرائية، مع توجيه جزء من الوفر لتعزيز المخزون الاستراتيجي للدولة وتوسيع القدرات التخزينية للصوامع لمواجهة تقلبات الأسواق الدولية.