مصافحة المرأة.. خلاف فقهي وليس حكماً واحداً
أكد الدكتور محمد علي، أحد علماء الأزهر الشريف، أن مسألة مصافحة الرجل للمرأة باليد ليست من المسائل التي يمكن تناولها باعتبارها أمراً مباحاً على إطلاقه، موضحاً أن هناك خلافاً فقهياً حول حكمها، وأن جمهوراً من العلماء ذهبوا إلى التحريم، بينما أجاز بعض العلماء ذلك في حالات محددة.
وأضاف الدكتور محمد علي، خلال مداخلة هاتفية ببرنامج «علامة استفهام»، تقديم الإعلامي مصعب العباسي، أن مصافحة المرأة ليست مسألة يمكن التعامل معها باعتبارها «سداح مداح»، مشدداً على ضرورة معرفة الأحكام والآراء الفقهية المتعلقة بها قبل إصدار حكم عام بشأنها.
وأوضح أن الحديث عن هذه المسألة يحتاج إلى معرفة المذاهب الفقهية المختلفة، وعدم الاكتفاء برأي واحد وتقديمه باعتباره الرأي الوحيد الموجود في التراث الفقهي.
جمهور العلماء قالوا بالتحريم
وأشار أحد علماء الأزهر الشريف إلى أن هناك اتجاهاً فقهياً يرى تحريم مصافحة الرجل للمرأة الأجنبية، وهو الاتجاه الذي نسبته دار الإفتاء المصرية إلى جمهور العلماء.
وتستند دار الإفتاء في عرضها للمسألة إلى حديث السيدة عائشة رضي الله عنها، الذي يفيد بأنها قالت إن يد رسول الله ﷺ لم تمس يد امرأة قط، إلى جانب أدلة أخرى ناقشها الفقهاء في هذه المسألة.
وبحسب الفتوى المنشورة على الموقع الرسمي لدار الإفتاء المصرية، فإن مصافحة الرجل للمرأة الأجنبية «محل خلاف في الفقه الإسلامي»، وليس من المسائل التي اتفق العلماء على حكم واحد فيها.
الحنفية والحنابلة.. استثناء العجوز
ولفت الدكتور محمد علي إلى أن الحنفية والحنابلة أجازوا مصافحة العجوز التي لا تُشتهى، وذلك عند أمن الفتنة، موضحاً أن هذا أحد التفاصيل الفقهية التي تؤكد وجود مساحة من الخلاف في المسألة.
وتذكر دار الإفتاء المصرية بالفعل أن الحنفية والحنابلة أجازوا مصافحة العجوز التي لا تُشتهى، مع تعليل ذلك بأمن الفتنة. كما عرضت الدار أقوالاً أخرى لعلماء أجازوا المصافحة في بعض الحالات.
وبالتالي، فإن إطلاق القول بأن جميع صور مصافحة الرجل للمرأة الأجنبية لها حكم واحد لا يعكس كامل الصورة الفقهية التي تناولها العلماء، إذ توجد تفصيلات تتعلق بسن المرأة، واحتمال الفتنة، والظروف التي تتم فيها المصافحة.
ماذا قالت دار الإفتاء؟
وتطرق الدكتور محمد علي إلى موقف دار الإفتاء المصرية، مشيراً إلى أنها قالت إنه لا حرج في المصافحة عند الحاجة.
ويظهر في الفتوى الرسمية للدار أن المسألة ليست قائمة على التحريم المطلق عند جميع العلماء؛ إذ أوضحت أن من ابتُلي بشيء من ذلك يمكنه تقليد من أجاز المصافحة من العلماء، مع التأكيد على أن الخروج من الخلاف مستحب.
وهذا التفصيل مهم في فهم الموقف؛ فدار الإفتاء تعرض الخلاف الفقهي كما هو، فتذكر قول الجمهور بالتحريم، ثم تنقل القول بالجواز في بعض الحالات، وتتيح لمن احتاج إلى ذلك تقليد القول المجيز.
«مش سداح مداح».. ضرورة معرفة الضوابط
وشدد الدكتور محمد علي على أن عرض المسألة لا ينبغي أن يتحول إلى إباحة مطلقة للمصافحة بين الرجال والنساء، مؤكدًا أن وجود أقوال فقهية بالجواز في بعض الحالات لا يعني أن الأمر أصبح مباحاً بلا ضوابط.
وأوضح أن الخلاف الفقهي لا يعني إسقاط الضوابط الشرعية، وإنما يعني أن العلماء اختلفوا في فهم الأدلة وتطبيقها على الحالات المختلفة، وهو ما يتطلب من المتحدث في الشأن الديني أن يعرض الصورة كاملة.
«شرح النصوص يحتاج إلى متخصصين»
وأكد العالم الأزهري أن تفسير النصوص الشرعية وشرح الأحكام الدينية يجب أن يكون من خلال أشخاص لديهم المعرفة بالقواعد الدينية والعلوم الشرعية، مشدداً على أن التعامل مع النصوص لا ينبغي أن يقوم على قراءة جزئية أو انتقاء رأي واحد وإغفال بقية الآراء.
وأشار إلى أن أي شخص يتصدى لشرح حكم شرعي عليه أن يستعرض الآراء الفقهية المرتبطة بالمسألة، حتى يكون المتلقي أمام الصورة الكاملة، خاصة في القضايا التي يوجد فيها خلاف معتبر بين العلماء.
الخلاف لا يعني غياب الضوابط
وتكشف تصريحات الدكتور محمد علي أن مسألة مصافحة المرأة باليد من المسائل التي تحتاج إلى التفريق بين الرأي الفقهي الغالب وبين الأقوال الأخرى المعتبرة في بعض الحالات.
فبينما تنقل دار الإفتاء المصرية قول جمهور العلماء بالتحريم، فإنها في الوقت نفسه توثق وجود أقوال تجيز المصافحة في حالات معينة، ومن بينها مصافحة العجوز التي لا تُشتهى عند الحنفية والحنابلة، كما تجيز لمن احتاج إلى ذلك تقليد من قال بالجواز.
ومن ثم، فإن القضية – وفق العرض الفقهي الذي قدمه الدكتور محمد علي والفتوى الرسمية لدار الإفتاء – ليست «سداح مداح»، كما أنها في الوقت نفسه ليست مسألة خالية من الخلاف؛ وإنما هي مسألة فقهية لها أقوال وتفصيلات وضوابط، وهو ما يستدعي عند تناولها عرض الأدلة والآراء المختلفة بأمانة ودقة.



