بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
نجدى عيسى
رئيس التحرير
وليد الغمرى

جنين داخل جنين.. حالة طبية نادرة تحوّلت إلى معركة دقيقة لإنقاذ طفلة بمعهد الكبد القومي بالمنوفية

بعد الاستئصال
بعد الاستئصال

لم تكن أسرة الطفلة تتوقع أن رحلة البحث عن سبب النزيف الذي أصاب صغيرتهم، التي لم تتجاوز عامًا ونصف العام، ستقود الأطباء إلى اكتشاف واحدة من أكثر الحالات الطبية ندرة وتعقيدًا.

وصلت الطفلة إلى معهد الكبد القومي بجامعة المنوفية وهي تعاني من نزيف بالجهاز الهضمي، وهو العرض الذي دفع الفريق الطبي إلى التحرك سريعًا للوقوف على مصدر النزيف، خاصة مع صغر سن الطفلة وحساسية حالتها الصحية.

بدأت رحلة التشخيص بالفحوصات والتقييمات الطبية اللازمة، قبل أن يأتي دور منظار الجهاز الهضمي، الذي لم يكن مجرد إجراء تشخيصي معتاد، بل أصبح نقطة التحول في الحالة بأكملها.

وخلال المنظار، ظهرت أمام الفريق الطبي كتلة غير معتادة داخل معدة الطفلة، لتبدأ مرحلة جديدة من البحث والتدقيق؛ فما طبيعة هذه الكتلة؟ وما سبب وجودها؟ وهل لها علاقة بالنزيف الذي جاءت الطفلة بسببه؟

ومع استكمال الفحوصات والتقييمات، كانت المفاجأة الطبية التي لم تكن في الحسبان؛ الكتلة تحتوي على تكوين جنيني مشوه، في حالة نادرة للغاية تعرف طبيًا باسم Fetus in fetu – جنين داخل جنين.

من كتلة غامضة إلى تكوين جنيني.. التشخيص يفرض تحديًا جديدًا

الحالة لم تكن مجرد اكتشاف غير معتاد، وإنما كانت تتطلب التعامل معها بمنتهى الدقة، خصوصًا أن المريضة طفلة صغيرة، وأن الكتلة موجودة داخل المعدة، وهو ما جعل قرار التدخل وطريقة التعامل معها يحتاجان إلى تقييم دقيق وتنسيق بين أكثر من تخصص طبي.

وبمجرد الوصول إلى التشخيص، جرى التنسيق بين الفرق الطبية المعنية داخل معهد الكبد القومي، وفي مقدمتها فرق الجراحة والمناظير والأطفال والتخدير والعناية المركزة، لوضع خطة علاجية تتناسب مع طبيعة الحالة وعمر الطفلة وموقع الكتلة.

لم يكن أمام الفريق سوى التحرك وفق خطة دقيقة؛ فالحالة شديدة الندرة، والطفلة في عمر حساس، والتدخل الجراحي يحتاج إلى حساب كل خطوة بدقة.

وبالفعل، أُجريت عملية جراحية استكشافية ناجحة، تمكن خلالها الفريق الجراحي من استخراج الكتلة والتكوين الجنيني الموجود بداخلها بأمان، لتبدأ بعد ذلك مرحلة أخرى لا تقل أهمية، وهي متابعة الطفلة بعد الجراحة والتأكد من استقرار حالتها.

رئيس جامعة المنوفية: النجاح يعكس كفاءة الكوادر الطبية

من جانبه، أعلن الدكتور أحمد فرج القاصد، رئيس جامعة المنوفية، نجاح الفريق الطبي المتخصص بمعهد الكبد القومي في تشخيص وعلاج الحالة، مؤكدًا أن هذا النجاح يجسد ما تمتلكه الجامعة من كوادر طبية مؤهلة وخبرات قادرة على التعامل مع الحالات النادرة والمعقدة. 

وأكد رئيس الجامعة أن مثل هذه الحالات تحتاج إلى دقة شديدة في التشخيص، وسرعة في اتخاذ القرار، وتكامل بين التخصصات المختلفة، مشيرًا إلى أهمية استمرار دعم التخصصات الطبية الدقيقة وتوفير الإمكانات اللازمة للمعاهد والمستشفيات الجامعية.

وأوضح أن ما تحققه جامعة المنوفية في المجال الطبي يمثل امتدادًا لدورها التعليمي والبحثي، إلى جانب رسالتها في تقديم خدمة صحية متخصصة للمواطنين، مؤكدًا استمرار دعم وتطوير قدرات المعاهد والمستشفيات الجامعية.

ووجه الدكتور أحمد القاصد الشكر والتقدير إلى جميع أفراد الفريق الطبي الذي شارك في التعامل مع الحالة، من أقسام الجراحة والمناظير والأطفال والتخدير والعناية المركزة، إلى جانب الأطباء وأطقم التمريض والفنيين والعمال، تقديرًا لما بذلوه من جهد حتى نجاح التدخل واستقرار حالة الطفلة.

عميد معهد الكبد: اكتشاف الحالة بدأ من نزيف بالجهاز الهضمي

وأوضح الدكتور أسامة حجازي، عميد معهد الكبد القومي بجامعة المنوفية، أن الطفلة وصلت إلى المعهد وهي تعاني من نزيف بالجهاز الهضمي، وعلى الفور خضعت للفحوصات والتقييمات الطبية اللازمة، قبل إجراء منظار للجهاز الهضمي للوقوف على مصدر النزيف.

وخلال المنظار، اكتشف الفريق وجود كتلة غير معتادة داخل معدة الطفلة، الأمر الذي استدعى استكمال الفحوصات للوصول إلى طبيعتها، ومع استكمال التقييم الطبي، تبين أن الكتلة تحتوي على تكوين جنيني مشوه، لتتكشف أمام الفريق واحدة من الحالات النادرة للغاية المعروفة باسم Fetus in fetu.

وأشار عميد المعهد إلى أن طبيعة الحالة وندرتها تطلبتا دقة كبيرة في التشخيص والتخطيط والتدخل الجراحي، مؤكدًا أن الطفلة خضعت للجراحة بنجاح وأن حالتها مستقرة وتخضع للمتابعة الطبية.

خطة جراحية دقيقة.. صغر سن الطفلة لم يكن عائقًا أمام الفريق

وقال الدكتور حسام الدين سليمان، رئيس قسم جراحة الكبد والقنوات المرارية بالمعهد، إن الفريق الجراحي أجرى التقييمات اللازمة قبل وضع خطة دقيقة للتدخل، بما يتناسب مع صغر سن الطفلة وموقع الكتلة داخل المعدة.

وأضاف أن العملية الجراحية نجحت في استخراج الكتلة والتكوين الجنيني الموجود بداخلها بأمان، مع استمرار متابعة الطفلة بعد الجراحة للاطمئنان على تطور حالتها الصحية.

أما الدكتور حسام بسيوني، أستاذ مساعد طب الكبد والجهاز الهضمي والمناظير في الأطفال بالمعهد، فأوضح أن منظار الجهاز الهضمي كان لحظة فارقة في رحلة التشخيص، بعدما حضرت الطفلة إلى المعهد بسبب النزيف.

وأشار إلى أن ظهور الكتلة غير المعتادة خلال المنظار دفع الفريق إلى استكمال التقييمات الطبية، والتي كشفت عن طبيعة الحالة، قبل التنسيق مع فريق الجراحة لاتخاذ القرار العلاجي المناسب.

ما قصة «جنين داخل جنين»؟

تُعرف الحالة طبيًا باسم Fetus in fetu، وهي من الحالات شديدة الندرة، وتنشأ نتيجة اضطراب نادر يحدث خلال المراحل المبكرة من تطور الأجنة.

وفي هذه الحالات، يتكون داخل جسم أحد التوأمين تكوين جنيني للآخر، وقد توجد هذه التكوينات في أماكن مختلفة من الجسم وبأشكال ودرجات متفاوتة من التطور.

ورغم ندرة الحالة، فإن اكتشافها لا يعتمد على عامل واحد، وإنما يحتاج إلى سلسلة من الإجراءات التشخيصية والتقييمات الطبية للوصول إلى طبيعتها، وهو ما حدث مع الطفلة التي قاد النزيف بالجهاز الهضمي إلى إجراء المنظار، ومن ثم اكتشاف الكتلة والتعامل معها.

حين يصنع التشخيص بداية النهاية للأزمة

في مثل هذه الحالات، لا تبدأ القصة داخل غرفة العمليات، وإنما تبدأ من لحظة اتخاذ القرار الصحيح أمام عرض قد يبدو في ظاهره غير مرتبط بما سيكتشفه الأطباء لاحقًا.

نزيف بالجهاز الهضمي كان البداية، ومنظار كان مفتاح الاكتشاف، وكتلة غامضة تحولت إلى حالة طبية شديدة الندرة، ثم فريق متعدد التخصصات وضع خطة للتعامل معها، وصولًا إلى تدخل جراحي ناجح واستقرار حالة طفلة صغيرة.

وتكشف هذه الواقعة، في جانبها الطبي، عن أهمية التشخيص الدقيق وعدم الاكتفاء بالتفسيرات الأولية للأعراض، كما تبرز قيمة العمل الجماعي بين التخصصات المختلفة عندما يتعلق الأمر بحالة استثنائية تحتاج إلى أكثر من تخصص وخبرة في الوقت نفسه.

تم نسخ الرابط