بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
نجدى عيسى
رئيس التحرير
وليد الغمرى

«الوعظ في زمن السوشيال ميديا».. أحمد رمضان: لا نريد منافسة المنصات الرقمية وإنما نسعى لنشر الكلمةالطيبة

 أحمد سالم اثناء
أحمد سالم اثناء الحوار مع الدكتور أحمد رمضان

لم تعد المنابر والمساجد المساحة الوحيدة لوصول الخطاب الديني إلى الناس، بعدما أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا أساسياً من حياة الملايين، خاصة الشباب، بما تحمله من محتوى ديني متنوع بين الصحيح والخاطئ.

حوار أحمد سالم مع الدكتور أحمد رمضان 
حوار أحمد سالم مع الدكتور أحمد رمضان 

وفي هذا الحوار، يتحدث الدكتور أحمد رمضان، مدير عام الوعظ بمديرية أوقاف سوهاج، «بلدنا اليوم»، عن تطور دور الواعظ في عصر السوشيال ميديا، وكيفية مواجهة الفتاوى المغلوطة والأفكار المتشددة، ودور الخطاب الديني في التعامل مع قضايا الشباب والأسرة والمجتمع.

الواعظ في عصر السوشيال ميديا

دكتور أحمد بدايةً كيف تغير دور الواعظ في زمن السوشيال ميديا؟

مما لا شك فيه أن دور الواعظ أو الخطيب والداعية تغيّر كثيرًا؛ لأن مساحة التأثير لم تعد مرتبطة بمكان وجود الإمام أو الواعظ، وإنما أصبحت مرتبطة بقدرته على الوصول إلى الناس حيث يوجدون.

وقد يستمع الشاب إلى مقطع ديني على هاتفه قبل أن يذهب إلى المسجد، أو يتلقى معلومة دينية خلال ثوانٍ دون أن يعرف مصدرها أو مدى صحتها.

ومن هنا أصبح الإمام والواعظ أمام مسؤولية أكبر، وهي أن يجمع بين صحة العلم وفهم الواقع وحسن التواصل، وأن يقدم خطابًا دينيًا وسطيًا معتدلًا بصورة واضحة ومؤثرة.

ونحن لا نريد أن ننافس السوشيال ميديا، وإنما نريد أن نحسن استخدام أدواتها في إيصال الكلمة الطيبة والموعظة الحسنة والمعلومة الصحيحة إلى الناس.

الفتاوى المغلوطة.. وسرعة الانتشار

ما أبرز صور المعلومات والفتاوى الدينية المغلوطة المنتشرة بين الشباب؟

من أكثر صورها التعامل مع النصوص الشرعية بعيدًا عن سياقها، وتداول الأحاديث والمعلومات دون التحقق من صحتها، وتحويل بعض الآراء الشخصية إلى أحكام شرعية، فضلًا عن الخلط بين الدين وبعض العادات والموروثات الاجتماعية.

والأخطر من الخطأ نفسه هو سرعة انتشاره، فقد تصل المعلومة الخاطئة إلى آلاف الأشخاص في دقائق.

ولذلك أصبح التثبت قبل النشر جزءًا من المسؤولية الدينية والأخلاقية، والرجوع إلى أهل العلم والجهات المختصة ضرورة، خاصة في مسائل الفتوى والقضايا العامة.

مواجهة المحتوى الديني غير المنضبط

كيف تتعامل مديرية أوقاف سوهاج مع الفتاوى المنتشرة عبر مواقع التواصل؟

في مديرية أوقاف سوهاج لدينا مركز إعلامي يرصد الظواهر والمشكلات ويضع الحلول التوعوية في صورة مبادرات مجتمعية، نُشرك فيها مختلف طوائف المجتمع ليقوم الجميع بمسؤوليته.

كما نعتمد على التوعية المستمرة وتصحيح المفاهيم، وتفعيل دور الأئمة والواعظات في المساجد والندوات واللقاءات الجماهيرية، إلى جانب توظيف المنصات الرقمية في تقديم المعلومة الصحيحة.

والمواجهة الحقيقية ليست في ملاحقة كل منشور خاطئ، وإنما في بناء مواطن واعٍ يستطيع أن يسأل: من قال؟ وما الدليل؟ وهل هذا هو الفهم الصحيح؟

مواجهة الأفكار المتشددة

كيف تحصنون الشباب من الأفكار المتشددة؟

نحن لا نواجه التشدد بالتخويف وحده، وإنما بالعلم والوعي والحوار والاقتراب من واقع الشباب.

فالشاب الذي يفهم دينه فهمًا صحيحًا، ويدرك مقاصد الشريعة، ويفرق بين النص الشرعي والفهم الخاطئ للنص، يكون أكثر قدرة على مواجهة الأفكار المنحرفة.

ولهذا نحرص على أن يكون الخطاب الديني قريبًا من أسئلة الشباب ومشكلاتهم، وأن نفتح أمامهم باب الحوار، ونقدم لهم خطابًا يؤكد سماحة الإسلام واعتداله، ويعزز قيم الانتماء والمواطنة واحترام الإنسان.

أسئلة الشباب.. من الفتوى إلى الحياة

ما أكثر القضايا التي يطرحها الشباب على الوعاظ؟

الأسئلة أصبحت أكثر تنوعًا؛ فهناك ما يتعلق بالأسرة والزواج والعلاقات الاجتماعية، وأخرى تتصل بالدراسة والعمل والمستقبل، فضلًا عن الأسئلة الفكرية والدينية التي تصل إليهم عبر مواقع التواصل.

واللافت أن كثيراً  من الشباب لا يبحث فقط عن «الإجابة»، وإنما يبحث عن شخص يسمعه ويفهمه ويحترم سؤاله.

وهنا تظهر أهمية الإمام والواعظة؛ فالمسجد ليس مكانًا لإلقاء المعلومات فقط، وإنما مساحة لبناء الثقة والحوار والتوجيه.

الخطاب الديني ومواجهة الطلاق

إلى أي مدى يمكن للخطاب الديني أن يساهم في الحد من الطلاق؟

للخطاب الديني دور محوري في بناء الأسرة والوقاية من مشكلاتها قبل أن تبدأ، وليس فقط في معالجة المشكلة بعد وقوعها.

ومن خلال ترسيخ مفهوم المودة والرحمة، وتعريف كل طرف بحقوقه وواجباته، وتصحيح المفاهيم الخاطئة عن الزواج، يمكن أن يسهم الخطاب الديني في الحد من كثير من المشكلات الأسرية.

كما ينبغي أن نعلم أبناءنا أن الحياة الزوجية ليست ميداناً للانتصار على الآخر، وإنما شراكة تقوم على الصبر والتفاهم والتغافل، مع ضرورة التكامل مع المتخصصين في الجوانب النفسية والاجتماعية والقانونية عند الحاجة.

فقه النص وفقه الواقع

هل تغيرت طريقة تناول الواعظ للقضايا الاجتماعية؟

نعم، فالواقع يتغير، والقضايا التي تواجه الناس تتجدد، ومن ثم لا بد أن تتطور وسائل الخطاب وأدواته، مع بقاء الثوابت الشرعية محفوظة.

ونحن لا نغير الدين ليتوافق مع الواقع، وإنما نفهم الواقع جيدًا حتى نقدم للناس الحكم الشرعي والتوجيه الصحيح بالطريقة التي تمكنهم من فهمه وتطبيقه.

وهذه هي أهمية الجمع بين فقه النص وفقه الواقع؛ فالواعظ الناجح هو من يجمع بين العلم بالشرع والإدراك لطبيعة المجتمع الذي يخاطبه.

اثناء الحوار 
اثناء الحوار 

المسجد.. منبر للعلم والحوار ما الدور الذي يمكن أن يستعيده المسجد في حياة الشباب؟

المسجد قادر على أن يستعيد دوره باعتباره منارة للعلم والوعي وبناء الإنسان، فهو ليس مكانًا لأداء الصلاة فقط، بل يمكن أن يكون مدرسة للعلم ومجالًا للتربية وبيتًا للحوار.

والشاب يحتاج إلى مكان يجد فيه إجابة عن سؤاله، ويشعر فيه بالسكينة، ويجد من يحاوره ويحترم عقله.

ولذلك فإن الأنشطة الدعوية والتثقيفية واللقاءات الحوارية يمكن أن تجعل المسجد أكثر حضورًا في حياة الشباب، وأن يتفاعل مع قضايا المجتمع ويسهم في بناء الإنسان الصالح والنافع لوطنه.

تأهيل الأئمة والواعظات

كيف تعملون على تطوير أداء الوعاظ وتأهيلهم للقضايا الجديدة؟

التدريب المستمر أصبح ضرورة لا رفاهية؛ فالإمام اليوم يحتاج إلى العلم الشرعي، لكنه يحتاج كذلك إلى مهارات التواصل وفهم القضايا الاجتماعية والقدرة على التعامل مع التكنولوجيا ووسائل التواصل.

ولهذا نعمل على تطوير أداء الأئمة والواعظات من خلال التدريب والتأهيل المستمر، لأننا نريد إمامًا معاصرًا مؤثرًا: صحيح العلم، قوي الأداء، فاهمًا للواقع، وقادرًا على التأثير في الناس.

الواعظ وحدود الاختصاص

كيف يتعامل الواعظ مع مشكلة دينية أو اجتماعية معقدة؟

يبدأ الواعظ بالاستماع الجيد وفهم المشكلة في حقيقتها؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.

فإذا كانت المسألة في نطاق اختصاصه أجاب عنها بعلم، أما إذا كانت لها أبعاد نفسية أو اجتماعية أو قانونية، فمن الأمانة أن يوجه صاحبها إلى المتخصص.

فالإمام ليس مطلوبًا منه أن يكون متخصصًا في كل شيء، وأحيانًا تكون أفضل خدمة يقدمها للمواطن أن يقول له: هذه المسألة تحتاج إلى متخصص.

رسالة إلى شباب سوهاج

ما رسالتك لشباب سوهاج الذين يستقون معلوماتهم الدينية من مواقع التواصل عبر صفحات«بلدنا اليوم»،؟

أقول لشبابنا: لا تجعلوا عدد المشاهدات دليلًا على صحة المعلومة، ولا تجعلوا شهرة صاحب المقطع دليلًا على صحة ما يقول.

تثبتوا فيما تسمعون وتنقلون، وارجعوا إلى أهل العلم الموثوقين، ولا تتعاملوا مع الدين من خلال مقطع مقتطع من سياقه.

ولا تخافوا من السؤال، ولا تستعجلوا في الحكم، ولا تسمحوا لأي محتوى عابر أن يصنع وعيكم أو يحدد علاقتكم بدينكم.

 

كيف يستعيد الخطاب الديني تأثيره ؟ وما الذي يحتاجه الخطاب الديني اليوم ليكون أكثر تأثيراً ؟

الخطاب الديني لا يحتاج إلى تغيير ثوابته، وإنما يحتاج إلى تطوير أدواته وأساليبه.

فنحن بحاجة إلى خطاب يعرف ماذا يقول، ولمن يقول، ومتى يقول، وكيف يقول؛ خطاب يحافظ على أصالة العلم، لكنه يفهم لغة العصر، ويجيب عن أسئلة الناس، ويقدم حلولًا واقعية.

فالناس لا يريدون خطابًا يحلق فوق مشكلاتهم، وإنما يريدون من يفهم واقعهم ويدلهم على طريق الإصلاح.

والخطاب المؤثر هو الذي يجمع بين صحة العلم وفهم الواقع وحسن التواصل.

السوشيال ميديا.. تحدٍ وفرصةهل السوشيال ميديا تحدٍ للخطاب الديني أم فرصة للدعوة والتوعية؟

هي تحدٍ وفرصة في الوقت نفسه؛ فهي تمثل تحديًا عندما تستخدم في نشر الشائعات والمعلومات المغلوطة والتطرف وإثارة الخلاف، لكنها تصبح فرصة كبيرة عندما نحسن استخدامها في نشر العلم الصحيح وتصحيح المفاهيم والوصول إلى فئات قد لا تصل إليها الوسائل التقليدية.

وأعتقد أن السؤال لم يعد: «هل نستخدم السوشيال ميديا؟»، وإنما أصبح: «كيف نستخدمها بصورة صحيحة؟».

فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى محتوى ديني رصين، قصير حين يحتاج المقام إلى الاختصار، وعميق حين تحتاج القضية إلى التفصيل، ويقدم الرسالة الدينية بلغة يفهمها الإنسان المعاصر دون إخلال بالعلم أو الضوابط.

 ومن هنا يكشف حديث الدكتور أحمد رمضان أن معركة الخطاب الديني في عصر السوشيال ميديا لم تعد مرتبطة فقط بمدى قدرة الواعظ على الوصول إلى الناس، وإنما بقدرته على تقديم خطاب موثوق يفهم أسئلتهم ويقترب من واقعهم.

الدكتور أحمد رمضان مع أحمد سالم اثناء الحوار
الدكتور أحمد رمضان مع أحمد سالم اثناء الحوار

وبين المسجد والمنصة الرقمية، تظل الرسالة واحدة: علم صحيح، ووعي رشيد، وخطاب يفهم الإنسان قبل أن يخاطبه. فالسوشيال ميديا، كما يرى مدير عام الوعظ بأوقاف سوهاج، ليست بديلًا عن المسجد، ولا خصماً للخطاب الديني، وإنما أداة جديدة تحتاج إلى وعي في استخدامها، حتى تتحول من مساحة لانتشار المعلومة الخاطئة إلى وسيلة لنشر الكلمة الطيبة وبناء الوعي.

تم نسخ الرابط