بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
نجدى عيسى
رئيس التحرير
وليد الغمرى

وائل السادات يكتب: أجيال بين سراب «التريند» وصخرة «العلم».. إلى أين تأخذنا معادلة «ميار» و«شاكر»؟

وائل السادات
وائل السادات


حين نقف أمام المشهد المصري الراهن بكل تفاصيله المتقاطعة، سنجد أنفسنا مرغمين على تأمل مفارقة قاسية وموجعة؛ مفارقة تختزل صراعاً خفياً وحقيقياً على عقول أجيال الصاعدين. ففي كفة، تبرز تجربة "ميار"—رمز الإنجاز الفردي الخالص، والاجتهاد العلمي والثقافي الذي يقف خلفه موهبة نادرة وتعب أسري مضنٍ لا يملك سندا سوى الإرادة—وفي الكفة الأخرى، تطل تجربة "شاكر محظور" وأمثاله؛ رموز السقوط المدوي في فخ الشهرة المزيفة، استسهال جمع المال بلا جهد، واقتصاد الوهم الرقمي الذي يمنح الملايين لمن لا يقدم للمجتمع سوى الفراغ والإثارة.
 

هذا التناقض الصارخ ليس مجرد حدثين عابرين، بل هو مرآة فاضحة لخلل بنيوي في منظومة القيم والقدوات، يضعنا جميعاً أمام سؤال مصيرى يقرع ناقوس الخطر: إلى أين نسير، وكيف ننقذ المستقبل؟
 

أولاً: خريطة الطريق نحو المجهول
حين يرى النشء شاباً يجني ملايين الجنيهات في دقائق معدودة عبر بث هابط أو إثارة للجدل، بينما تقضي أسر بأكملها سنوات طويلة لتعليم أبنائها وتفوقهم العلمي والابتكاري دون مردود مادي أو تقدير معنوي، فإننا نسير بخطى حثيثة نحو انهيار مفهوم العمل والاجتهاد.
 

لقد أفرزت هذه الحالة ثقافة جديدة قوامها "الثراء السريع بلا سند أخلاقي أو اقتصادي"، وأصبحنا نتحرك نحو مجتمع تستهلكه الخوارزميات وتوجهه تفاهات "التريند"، وتتراجع فيه القيمة الحقيقية للعلم واللغة والرياضة والذكاء الاصطناعي لصالح صخب فارغ يستنزف الوعي ويشوه الهوية. إن أخطر ما في الأمر هو شعور الشباب المجتهد بالإحباط والغربة في وطنه حين يرى نفسه في الظل، بينما تتصدر الواجهات نماذج الاستخفاف بالقول والفعل.
ثانياً: لماذا غابت أجهزة الدولة والمؤسسات؟
 

إن تجربة "ميار" الاستثنائية بكل ما تحمله من بريق تبصره العين، تفضح في المقابل عورات مؤسسية ومجتمعية واضحة. فأجهزة الدولة ومؤسساتها المعنية ما زالت تدار بعقلية بيروقراطية جامدة تجاه مشروعات موجودة بالفعل ولكنها ماتت إكلينيكياً، مثل: نوادي الثقافة، ومراكز الشباب غير الفعالة، ومشروع القراءة للجميع.
 

أين حواضن المواهب في أرض مصر العامرة؟ أين المشاريع الجديدة التي ترعى أطفالنا منذ الطفولة في مجالات اللغة والعلوم والابتكار وصولاً إلى البرمجة والذكاء الاصطناعي؟ بل وحتى على الصعيد السياسي، أين المبادرات التي تفتح الباب أمام الأطفال والشباب لتعلم فنون السياسة والعمل العام، لنجد أجيالاً قادرة على العبور بمصر وسط تحديات إقليمية ودولية مرعبة وأجواء تحكمها محدودية الفرص؟
 

إن ترك الموهوبين رهناً للجهود الفردية والأسرية وحدها هو جريمة في حق الغد.
ثالثاً: طوق النجاة.. ماذا نفعـل؟
لم يعد الاستنكار المجدي، ولم تعد الخطب الرنانة تجدي نفعاً. إن الإنقاذ يتطلب حزمة قرارات وثورة شاملة على عدة مستويات:
 

 إعادة الاعتبار المادي والمعنوي للقدوة الحقيقية: أن تتبنى الدولة والمؤسسات الكبرى (الإعلامية والثقافية) النماذج المضيئة مثل "ميار"، وتضعها في صدارة المشهد العام، لتصبح البطولة الحقيقية مرتبطة بالعلم والتفوق والإبداع لا بعدد المشاهدات.


 ضبط منظومة "اقتصاديات الديجيتال": فرض رقابة مالية وضريبية صارمة على منصات البث المباشر وأرباحها الخيالية، لقطع الطريق أمام تحول الفضاء الرقمي إلى غسيل للأموال وثراء بلا قيمة مضافة.
 

 إحياء مشروعات الدولة وتطويرها:

 نفض الغبار عن البنية التحتية الثقافية والرياضية والشبابية، وتحويل قصور الثقافة ومراكز الشباب إلى حاضنات رقمية وابتكارية حقيقية تواكب عصر الذكاء الاصطناعي.
ثورة تشريعية ومجتمعية: تشديد الأطر القانونية لحماية النشء من استنزاف الوعي، مع تفعيل دور المدرسة والأسرة في إعادة توجيه بوصلة القيم.


كلمة أخيرة


إننا نقف حقاً على حافة الهاوية بين جيل يحمل مشعل النور بالتعب والعلم والتعويض، وجيل يُدفع دفعاً نحو استهلاك السراب والتريند. والنجاة لن تتحقق إلا بإرادة وطنية ومؤسسية تعيد ترتيب سلم الأولويات.. فمن نكرم اليوم؟ وعمن نبحث ليكون بطلاً للمستقبل؟ السؤال موجه لمن يهمهم الأمر، قبل أن يفوت الأوان.

تم نسخ الرابط