بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
نجدى عيسى
رئيس التحرير
وليد الغمرى

وائل السادات يكتب : فوضى "صانع المحتوى".. حين تفقد الشاشات بوصلتها ويهدد الابتذال وعي الأمة

وائل السادات
وائل السادات

لم يعد خافياً على أحد أن الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي قد تحولت إلى سوق واسعة بلا رقيب ولا حسيب، يعبث فيها من هب ودب تحت راية باتت مطاطة وفضفاضة لدرجة فقدت معها أي معنى حقيقي: "صناعة المحتوى".


اليوم، وبكل بساطة، يمكن لأي شخص يحمل هاتفاً ذكياً أن يفتح بثاً مباشراً، أو يطلق كلمات عشوائية بلا هدف، ليحصل تلقائياً على لقب "صانع محتوى" أو حتى "إعلامي". ويتساوى في ذلك -في أذهان الجمهور وبفعل توجيه الخوارزميات- صحفي محترف يقضي أيامه ولياليه في التدقيق وتحري الدقة، ومعد برامج يرهق عقله بحثاً عن معلومة موثوقة، ومذيع درس وتدرب لسنوات على مواجهة الكاميرا بحرفية ومسؤولية؛ وبين متسلق رقمي لا يملك سوى كاميرا وجرأة تلامس حد الابتذال.


ولعل الوجه الأكثر فجاجة لهذه الفوضى يتمثل في الانحدار الأخلاقي غير المسبوق الذي تقوده بعض الحسابات والفتيات عبر غرف البث المباشر، لم يعد الأمر مجرد بحث عن شهرة رخيصة، بل تحول إلى تجارة صريحة لبيع المتعة الرخيصة، من خلال أزياء فاضحة، وإيحاءات وألفاظ خادشة للحياء العام، واستجداء مفضوح لـ"الدعم المادي" تحت شعارات واهية مثل "رزق عيالي".

 

 هذا المستنقع اليومي لا يعكس مجرد تجاوزات فردية، بل يشكل ظاهرة خطيرة تتكرر مشاهدها بلا استحياء، لدرجة تجعل الأجهزة الأمنية تضبط باستمرار العديد ممن اتخذن من الفضاء الرقمي وكراً لجمع الأموال السريعة عبر الاتجار بالغرائز، غير آبهات بأي قيم أخلاقية أو مجتمعية، غايتهن الوحيدة حفنة دولارات تنهال عليهن لتبدل أحوالهن المادية بين عشية وضحاها.


ولا يتوقف الأمر عند حدود الابتذال الجسدي واللفظي، بل يمتد إلى "صناعة الوهم المعرفي". لقد ظهر على السطح جيل جديد ممن يطلقون على أنفسهم "خبراء الأسرة والطفولة والمشاكل العاطفية"؛ ألقاب رنانة ووهمية يحملها أشخاص بلا مؤهل أكاديمي حقيقي سوى رصيدهم على السوشيال ميديا. أناس تفتقر لأبسط قواعد التخصص، وتراهم يتصدرون الشاشات لإعطاء صكوك السعادة والخراب الأسري لجمهور يقع ضحية للنصائح العبثية والترويج للطلاق تحت غطاء "الاستشارات النفسية". هؤلاء جميعاً يجوبون منصات التواصل ليجنبوا الأموال الطائلة ويتحولوا سريعاً إلى رموز زائفة للنجاح، بينما تتآكل بنية المجتمع الأخلاقية والمهنية تحت وطأة هذا الضجيج.


وسط هذا التخبط، تبرز مأساة أخرى تتمثل في مطالبات البعض من هؤلاء بالانضمام إلى "نقابة الصحفيين" أو "نقابة الإعلاميين". وهي مطالبات مرفوضة جملة وتفصيلاً؛ فالصحافة والإعلام مهنتان عريقتان لهما قواعدهما الدستورية والقانونية، وشروطهما الصارمة في الدراسة والتدريب والميثاق الأخلاقي، وغالبيات هؤلاء "الديجيتال" لا يصلحون أصلاً لاجتياز أبسط اختبار مهني. أما عن فكرة إنشاء "نقابات أو كيانات خاصة بهم"، فهي فكرة تحيط بها محاذير ضخمة، وإن أُتيحت أصلًا لتقنين الأوضاع، فلا بد أن تخضع لضوابط نارية وحاسمة، لا تمنح الشرعية لكل من هب ودب، بل تشترط غربلة دقيقة تضمن استبعاد محترفي الابتذال والتجارة بالوعي العام.
إن شبكات التواصل الاجتماعي تستحوذ اليوم على النصيب الأكبر من السوق الإعلامي، وهي بلا شك مستقبل الصناعة الرقمية، لكن ترك هذا المستقبل رهينةً لغوغائية العبث ومحترفي الابتذال هو انتحار بطيء لوعي أمة وتهديد مباشر لأمنها الفكري.


إن الإعلام الحقيقي ومحترفو صناعة المادة البصرية الهادفة ليسوا مترفين في ساحة مفتوحة، بل هم صناع تنوير وحماة وعي، إننا بحاجة ماسة لوقفة تشريعية ومؤسسية من الدولة تضرب بيد من حديد؛ تحاسب من أساء وتلاعب بعقول الناس، وتفرز الغث من السمين، وتمنح الفرصة الحقيقية للمحتوى الهادف الذي يبنيه أبناء المهنة الحقيقيون الذين يتعبون في صناعته.

تم نسخ الرابط