خالد عامر يكتب: قراءة في مستقبل المعارك الحربية
على مدار الايام الماضية تابعت صفقة الأسلحة الروسية لإثيوبيا التى تسلمتها الأخيرة قبل موعدها بعام الخبر لا ينبغي أن يقرأ من منظور القلق لكن بمفهوم أعمق لطبيعة العلاقات الدولية فالدول لا تتأثر بالعواطف بل المصالح مثلما تسعى روسيا لتعزيز نفوذها في مواضع مؤثرة تصب في مصلحتها كدولة عظمي.
وتسعى أيضأ مصر بحنكة لحماية أمنها القومي ولا ضرر يلحق بمصالحنا أو يؤثر علينا من هذه الصفقة التي هي أمر طبيعي لأي دولة فقط الحساسية الشعبية من منظور أن مصر وروسيا علاقات وطيدة ولكي يطمأن قلبك عزيزي القارئ إبحث بنفسك عن عدد طائرات سلاح الجو الأثيوبي وعدد طائرات التدريب عندهم وبالمجمل تسليح وقوام الجيش الأثيوبي ستعرف أن قوي الشر تريد ان تشتتك في امور لأتغنى ولا تسمن من جوع.
فالعالم سوق مفتوح المصالح و مصر بثقلها الاستراتيجي تقرأ المشهد بعين ثاقبة تحمي حقوقها ومصالحها بشتي السبل بالتزامن مع يقين بأننا لسنا دعاة حرب إلا عند الضرورة القصوى نحمي مكاسبنا وثوابتنا بكل ثقة ونطور نفسنا في عالم يتطور كل لحظة.
فالصورة التقليدية للحروب ارتبطت في مخيلتنا بصور الدبابات التي تصطف والبوارج الحربية التي تبحر في المحيطات أو الطائرات المقاتلة التي تتسابق في السماء لكننا اليوم نقف على أعتاب تحول جذري تتلاشى فيه الحدود أمام التكنولوجيا وتولد حروب جديدة لا تعرف الرحمة ولا التعب فالمستقبل لم يعد لجيش يواجه جيش لكن لسرب يواجه سربا في سماء تظلم من غير غيوم وبحار تمتلئ بغير أسماك!.
تخيل عزيزي القارئ أنك تنظر إلى السماء لترى آلاف الطائرات المسيرة تتحرك في انسجام مذهل تنعطف معا وتتجنب الاستهدافات دون أن تصطدم ببعضها كسرب من الطيور المهاجرة.
والسر في تلك الانسيابية ليس بشريأ لكنه يكمن في الذكاء الاصطناعي كل درون "مسيرة" في هذا السرب يرسل ويستقبل البيانات في أجزاء من الثانية فإذا تم إسقاط أحدها يتكيف السرب فورا لسد الفجوة دون حاجة لأوامر من قائد بشري فتجد السماء متحولة إلى شبكة عصبية واحدة والهدف ليس تدمير هدف محدد لكن إغراق دفاعات العدو بهجمات لا تنقطع هنا يمكن القول أن المقولة العسكرية التقليدية جيش يواجه جيش قد صارت لاتساير العصر.
لان حروب اليوم أصبحت عبارة عن خوارزميات تتصارع من خلالها أسراب من الدرونز الانتحارية الرخيصة الثمن تواجه أسرابا من الدرونز الاعتراضية والجيش التقليدي الثقيل بترسانته الضخمة وبطيء حركاته أضحي مجرد هدف سهل لسرب خفيف وسريع لأجل هذا من يمتلك الذكاء الإصطناعي الأسرع في تحليل التهديد وتوزيع الأهداف داخل السرب هو من سيحكم ساحة المعركة.
ولكي أزيدك من الشعر بيت عزيزي القارئ لم يتوقف هذا الكابوس عند حدود السماء لكنه امتد ليغزو اليابسة والمياه من خلال عمليات برمائية مشتركة حيث تنسق الدرونز الجوية مع نظيراتها التي تطفو على سطح الماء أو تغوص في الأعماق والمحصلة أبعادا استراتيجية مرعبة فالسرب لم يعد يطير فحسب بل يسبح في الأعماق البحرية والدول الكبري في مجال التصنيع العسكري المتقدم طورت مفاهيم الدرونز النووية تحت الماء وهي غواصات مسيرة صغيرة يمكنها الوصول إلي أعماق المحيطات دون رادع حاملة رؤوسا نووية مصممة لتفجير مدن ساحلية أو إحداث أمواج تسونامي مصطنعة مما يجعل الردع النووي متاحاً وبأسعار أقل بكثير من الغواصات النووية التقليدية.
هذا الكابوس المائي والجوي بامتداداته التقليدية والنووية أشعل سباقا محموما بين دول العالم لامتلاك وتطوير هذه التقنية فلم تعد هذه التكنولوجيا حكراً على القوى العظمى فقط لكنها أصبحت ورقة ضغط تعادل في تأثيرها الأسلحة النووية وتسعى لامتلاكها الدول المتوسطة وحتى الجماعات المسلحة في بعض مناطق الشرق الأوسط تمتلكها.
ولأن من يملك تكنولوجيا المسيرات يملك مفتاح الهيمنة في البقاع المؤثرة في العالم هنا السؤال المهم عزيزى القارئ ما الذي يدفع العالم لهذا التسارع الجنوني لامتلاك المسيرات؟
الإجابة تكمن في الانتحار الاقتصادي تخيل أن عدوك يطلق نحوك سربا مكونا من آلف مسيرة تكلفة المسيرة الواحد حوالى خمسمائة دولارعلى حسب نوعها وإمكانياتها القتالية فيصبح إجمالي التكلفة نصف مليون دولار فقط وللتصدي لهذا السرب ستضطر لإستخدام صواريخ دفاع جوي متطورة تكلفة الصاروخ الواحد على أقل تقدير تتجاوز المليون دولار حتى لو نجحت في إسقاط السرب بالكامل ستخسر مليار دولار لتدمير هدف قيمته نصف مليون دولار.
هذا الخلل في التكلفة يجعل الدفاع بالصواريخ التقليدية والطائرات الدفاعية فخا مالياً يفرغ خزائن الدول وينال من إقتصادها فالعدو لا يحتاج لهزيمتك عسكريا فقط بل بهدف الهدم بمفهوم الهدم الأوسع.
وبالرغم من هذه التطورات يظل البعد الأكثر عمقا ورعبا في حروب الأسراب هو البعد الأخلاقي في عالم لا تعنيه الأخلاق عندما نمنح الذكاء الاصطناعي حق إتخاذ قرار القتل داخل السرب دون تدخل بشري نحن نواجه التفويض القاتل نحن نقوم ببناء آلات حرب لا تشعر بالخوف ولا ترحم ولا تنام وتقرر من يعيش ومن يموت بناء على برمجة مسبقة.
إذا أخطا السرب وقتل مدنيين من يحاسب؟ المبرمج؟ أو القائد العسكري؟ أم الخوارزمية؟ إنها الفجوة الأخلاقية التي نفتحها بأيدينا.
اليقين إذا أن حروب المستقبل لم تعد تقيس قوتها بعدد الدبابات أو حجم البوارج بل تقيسها بسرعة المعالجة وكفاءة الخوارزميات السماء والبحر سيصبحان مسرحاً لعقول جماعية اصطناعية تتقاتل في صمت مرعب وفي هذا العالم الجديد البقاء ليس للأقوى تسليحا أو الأشجع قلباً لكن للأذكى برمجيا يقينا الجيش المصرى يواكب هذا التطور المذهل.
تظل مصر قوية بجيشها في عالم لاموضع فيه إلا للأقوياء حفظ الله الجيش.