إعادة إعمار غزة.. من خطة شاملة إلى مشروع تجريبي محدود |خاص
دخلت خطة إعادة إعمار قطاع غزة مرحلة جديدة، بعدما كشفت مباحثات مجلس السلام الخاص بغزة في الأيام الأخيرة عن تحولها من مشروع يستهدف إعادة إعمار القطاع بالكامل إلى مشروع تجريبي محدود تزعم إسرائيل أنه يسهم في اختبار آليات الإدارة والأمن قبل الانتقال لمرحلة أوسع. ويعكس هذا التحول حجم الخلافات التي لا تزال تحيط بمرحلة ما بعد الحرب الإسرائيلية على غزة، في ظل تزايد التحذيرات من أن استمرار الخلافات قد يطيل أمد الأزمة الإنسانية في القطاع المنكوب ويؤجل عملية إعادة الإعمار رغم الحاجة الملحة إليها.
مخططات إسرائيلية أمريكية
في هذا السياق، قال الدكتور «أيمن الرقب» - أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس، إن المقترح الجديد ليس منفصلا عن الرؤية الأمريكية لمستقبل قطاع غزة، بل يندرج ضمن خطة السلام التي طرحها الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب»، لافتا الى أن الخطة تتضمن بندا يقضي بقصر إعادة الإعمار على المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي حال تعذر استكمال المرحلة الثانية، وأن المقترح يتقاطع أيضا مع مشروع "شروق الشمس" في غزة الذي طرحه «جاريد كوشنر» في وقت سابق ويستهدف إنشاء 8 مدن فلسطينية عازلة خارج الشريط الساحلي للقطاع ونقل السكان إليها، ما يعكس - بحسب تقديره - بدء تنفيذ التصورات الأمريكية لمرحلة ما بعد الحرب في غزة.

وأوضح الرقب خلال حديثه لـ«بلدنا اليوم» أن المشروع المطروح حاليا يتضمن إنشاء مناطق عازلة داخل القطاع تمتد من رفح إلى خان يونس، مع استمرار النقاش حول الجهة التي ستتولى إدارتها وما إذا كانت القوات الإسرائيلية ستبقى فيها، أم ستنسحب لتحل محلها قوة دولية إلى جانب شرطة فلسطينية جديدة، مضيفا أن نقل السكان إلى هذه المناطق سيخضع لاعتبارات وإجراءات أمنية مشددة، وأن إسرائيل بدأت بالفعل في تركيب بوابات صفراء بمدينة رفح، متوقعا الإعلان عن أولى هذه المناطق عقب انتهاء الانتخابات الإسرائيلية المقررة في نوفمبر المقبل.
وأشار إلى أن وزير الخارجية الأمريكي «ماركو روبيو» كان قد تحدث في نوفمبر الماضي، عن احتمال تنفيذ هذه الخطوة عبر إنشاء مناطق عازلة تمثل نقطة انطلاق لمشروع إعادة الإعمار الشامل، ما يعني أن هذا المخطط كان مطروحا منذ البداية - بحسب تعبيره - وأن إسرائيل وواشنطن عملتا على تبرير التحول لهذا المسار عبر تحميل حركة حماس مسؤولية تعثر مسار التسوية، بدعوى رفضها تسريح موظفيها ونزع سلاحها، ما مهد لطرح هذا المشروع بدلا من تنفيذ الخطة الشاملة، مرجحا أن يؤدي هذا المسار لاحقا لاستئناف العمليات العسكرية الإسرائيلية في مناطق أخرى من القطاع بعد نقل سكانها إلى المناطق الجديدة.
ويرى الرقب أنه رغم سيطرة إسرائيل حاليا على قرابة 70% من قطاع غزة ومواصلة توسيع نطاق هذه السيطرة يوميا وفق توجيهات نتنياهو، إلا أن سيناريو إقامة مستوطنات إسرائيلية في قطاع غزة لا يزال مستبعدا وأن الولايات المتحدة ستتخذ موقفا يحول دون تنفيذه، لكنها في المقابل ستدعم مقترح إنشاء مناطق عازلة تبدأ من رفح ويتم نقل السكان إليها - وفق تقديره - تمهيدا لإفراغ الشريط الساحلي للقطاع، مؤكدا أن الإدارة الأمريكي وإسرائيل تسعيان للسيطرة عليه واستثماره، وأن هذا التصور ورد أيضا ضمن مشروع كوشنر بشأن غزة.
انتهاكات إسرائيلية
من جانبه، قال الدكتور «مختار غباشي» - الأمين العام لمركز الفارابي للدراسات السياسية، إنه “لا توجد ثقة” في تعهدات مجلس السلام والولايات المتحدة بإنهاء أزمة غزة وتنفيذ خطة السلام التي أقرها مجلس الأمن الدولي، مضيفا أنهما لم يمارسا حتى الآن “ضغوطا حقيقية” على إسرائيل لوقف انتهاكاتها لاتفاق وقف إطلاق النار وجرائم الحرب التي ترتكبها يوميا بغزة والتي رفعت حصيلة الضحايا الفلسطينيين منذ أحداث 7 أكتوبر 2023 إلى 73,326 قتيل ونحو 194 ألف مصاب وفق أحدث البيانات الرسمية، معتبرا أن المقترح الجديد يأتي للالتفاف على بند إعادة الإعمار الشامل للقطاع وتعطيله.

ويؤكد غباشي لـ«بلدنا اليوم» أنه ما لم تُمارس ضغوط حقيقية على إسرائيل لوقف انتهاكاتها ومنعها من فرض سيطرة كاملة على قطاع غزة فإن الأوضاع ستصبح كارثية، معتبرا أن ضعف ردود فعل المجتمعين الإقليمي والدولي تجاه الانتهاكات الإسرائيلية أوصل المشهد إلى هذه المرحلة الحرجة التي تُطرح خلالها مقترحات بديلة تخدم المساعي الإسرائيلية لترسيخ احتلال غزة، وهو ما يعكس - وفق تعبيره - تعارضا عمليا بين خطاب ترامب الداعي لإنهاء الحرب وبين نهج حكومة نتنياهو، ويثير شكوكا حول ما إذا كانت إسرائيل تتعامل مع خطة السلام باعتبارها مسارا للتسوية، أم غطاءً لكسب الوقت واستكمال فرض وقائع جديدة على الأرض.

