بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
د/إلهام صلاح
رئيس التحرير
وليد الغمرى

أمجد شافعي في "المصيدة"لم أحلم بالشرطة.. ربنا هو اللي رتّب حياتي "خاص "

بلدنا اليوم

من طفل علّمه والده «الحساب بالتعريفة» معنى الأمانة.. إلى ضابط واجه المخدرات والتموين وقضايا الآداب.. 

وقائدٍ ترك بصمته في شخصيته: «مجدي البسيوني كان أبويا الروحي»

 هناك قصص تُكتب في المحاضر وتنتهي بانتهاء الإجراءات، وقصص أخرى تظل مفتوحة داخل أصحابها مهما مر عليها الزمن. 

بعد ما يقرب من أربعة عقود في العمل الشرطي، يستعيد أمجد الشافعي جانبًا من رحلته التي بدأت بعيدًا عن حلم الالتحاق بالشرطة، وتشكلت تدريجيًا بين تربية الأب، وانضباط كلية الشرطة، ومواقف المأموريات الأولى، وصولًا إلى القضايا التي واجه فيها الجريمة وجهًا لوجه.

 في هذا الحوار الخاص لبلدنا اليوم ، لا يتحدث شافعي عن الرتب والمناصب بقدر ما يعود إلى الإنسان الذي كان داخل الزي الرسمي؛ الطفل الذي تعلم المسؤولية مبكرًا، والشاب الذي دخل كلية الشرطة دون أن تكون حلم طفولته، والضابط الصغير الذي وجد في اللواء الراحل مجدي البسيوني أبًا روحيًا ومعلمًا ترك أثرًا لا يزال حاضرًا حتى اليوم. ومن خلال «المصيدة»، يحاول شافعي أن يفتح الملفات التي لا تظهر كاملة في المحاضر؛ تلك التي يكون وراءها إنسان، وظرف، وقرار، وأحيانًا لحظة فارقة بين تطبيق القانون بحرفيته وفهم روحه.

البداية من البيت..

 «أبويا أول واحد علمني معنى المسؤولية» بعيدًا عن الشرطة والرتبة والميري، أين تشكلت أول ملامح شخصيتك؟ 

يرى أمجد شافعي أن أول ملامح شخصيته تشكلت داخل البيت. كان والده شديدًا في تربيته، لكنه لم يكن بخيلًا في العطاء، وكان حريصًا على أن يتعلم ابنه الاعتماد على نفسه وتحمل المسؤولية. يتذكر شافعي موقفًا من طفولته، عندما كان في التاسعة من عمره، وحدث موقف أثناء لعبه مع شقيقته الأصغر منه بعام، فكان رد فعل والده قاسيًا، لكنه ترك داخله درسًا لم ينسه. ولم تكن المسؤولية عند والده مفهومًا نظريًا؛ فإذا أعطاه مالًا لشراء شيء، كان عليه أن يعود بالحساب «بالتعريفة».

 من هنا تعلم أن المال أمانة، وأن المسؤولية تعني أن تكون قادرًا على تفسير كل ما وُضع في عهدتك. حتى السيارة التي كان يحلم بها في طفولته لم يحصل عليها بسهولة، رغم قدرة والده على شرائها. 

كان الأب يرى أن امتلاك السيارة يجب أن يأتي مع تحمل مسؤوليتها، فاشتراها له بالفعل، لكنه احتفظ بالمفتاح حتى يحقق ابنه الشرط الذي اتفقا عليه. اليوم، يقرأ شافعي تلك التفاصيل بصورة مختلفة: لم يكن والده يمنعه، وإنما كان يعدّه. 

عائلة من رجال الأعمال.. وهو «الموظف الوحيد» ينحدر شافعي من عائلة ارتبط معظم أفرادها بالتجارة والأعمال. لكن طريقه كان مختلفًا. يقول ساخرًا إنه كان «الموظف الوحيد» الذي خرج من عائلة رجال أعمال .

 لم يكن لديه حلم طفولي واضح بالشرطة، ولم يكن يرى نفسه بالضرورة ضابطًا. لكن الظروف قادته إلى هذا الطريق، وكان لخاله دور في تجهيز أوراق التقدم، كما ساهم نشاطه الرياضي في قبوله بكلية الشرطة؛ فقد مارس ألعاب القوى، ومن بينها رمي القرص ودفع الجلة. 

شهادة رسمية من الاتحاد المصري لألعاب القوى
شهادة رسمية من الاتحاد المصري لألعاب القوى

وهكذا دخل طريقًا لم يخطط له منذ طفولته، لكنه أصبح لاحقًا أهم فصول حياته. 

 45 يومًا داخل كلية الشرطة.. «كنت جاي من بيئة مدنية ومش فاهم اللي مستنيني» 

دخل كلية الشرطة قادمًا من حياة مدنية، دون معرفة حقيقية بتفاصيل الحياة العسكرية. في البداية اصطدم بنظام مختلف تمامًا: انضباط صارم، تدريبات شاقة، أوامر، واختبارات متواصلة للقدرة على التحمل. وكان من بين من تولوا الإشراف على الطلاب المستجدين اللواء كمال الدالي، الذي أصبح لاحقًا من القيادات الأمنية المعروفة.

 بدأت العلاقة بينهما داخل الكلية في إطار عسكري صارم، لكن الأيام الأولى صنعت شيئًا آخر.

 يقول شافعي إن 45 يومًا كانت كفيلة بأن تغيّر الكثير في شخصيته، وأن ما بدا في البداية مجرد قسوة وتدريب، فهمه لاحقًا باعتباره محاولة لـ«تنشيف العظم» وإعداد الطالب للحياة التي تنتظره.

 لكن هذه الحياة لم تكن مناسبة للجميع؛ فقد شاهد زملاء لم يستطيعوا الاستمرار، بعضهم ترك الكلية في سنوات مختلفة، وآخرون تخرجوا ثم واجهوا صعوبة في تحمل ضغوط العمل.

ومن هنا بدأ يدرك أن العمل الشرطي يحتاج إلى صلابة نفسية بقدر حاجته إلى القوة والانضباط.  اللواء مجدي البسيوني.. «أبويا الروحي وصاحب الفضل الأول عليّ» 

إذا كان هناك اسم واحد يتوقف أمامه شافعي طويلًا، فهو اللواء الراحل مجدي البسيوني. يصفه بوضوح: «أبويا الروحي». لم يعمل معه سوى نحو عامين، لكنهما، بحسب روايته، كانا كافيين لتكوين جانب كبير من شخصيته المهنية. كان البسيوني وقتها عقيدًا ومأمورًا لمركز شرطة أوسيم، بينما كان شافعي ضابطًا حديث التخرج. ولم يكتفِ بتعليمه كيفية التعامل مع القضايا، وإنما علّمه كيف يكون ضابطًا. كيف يتحدث. 

كيف يخاطب الناس. كيف يحرر المحاضر. كيف ينظر إلى المواطن. وكيف يفهم أن الرتبة لا تعني الاستعلاء. ومن النصائح التي ظلت عالقة في ذاكرته أن الضابط لا ينبغي أن يتعامل مع الناس من خلال ألقاب تصنع مسافة بينهم وبينه، وأن احترام المواطن لا ينتقص من هيبة رجل الشرطة. 

أول يوم في أوسيم.. درس بدأ من سيارة يتذكر شافعي وصوله الأول إلى مركز شرطة أوسيم. كان يقود سيارة أحضرها له والده، قبل أن يلتقي مأمور المركز. وبدأ اللقاء بسؤال أربكه، حين سأله البسيوني عن السيارة ومن أين جاءت. لم يكن شافعي وقتها يفهم لماذا بدأ القائد معه بهذه الطريقة، لكنه اكتشف أن الرجل كان يقرأ التفاصيل الصغيرة، ويستخدمها لتعليم الضابط الجديد كيف يفكر وكيف يتعامل مع بيئة العمل.

 ومنذ ذلك اليوم بدأت العلاقة التي يعتبرها شافعي واحدة من أهم العلاقات في حياته الوظيفية. «بورطس».. مأمورية بدأت بالفضول وانتهت باكتشاف قضية أكبر مما توقع كان شافعي وقتها ضابطًا صغيرًا ضمن دورية أمنية. خلال إحدى المأموريات مرّ على منطقة «بورطس»، وكان المفترض أن ينهي المرور ويعود وفق التعليمات.

 لكنه رأى شيئًا لفت انتباهه. كان الوقت قبل الفجر بساعتين تقريبًا، ولاحظ ضوءًا ودخانًا يخرجان من أحد المحال. اعتقد في البداية أن هناك حريقًا. قرر الاقتراب و معه سائق وأربعة مجندين فقط. 

لكن ما اكتشفه لم يكن حريقًا. كان هناك محل مفتوح ضمن مجموعة من المحال المتصلة ببعضها، وداخل المكان أشخاص يجلسون، ومشهد لم يكن الضابط الشاب قد اعتاد رؤيته.

 كان أمامه ما بدا كواقعة مخدرات.. يقول إنه احتاج إلى لحظات حتى يستوعب المشهد، خصوصًا أنه لم يكن قد واجه من قبل قضية بهذا الشكل. ⸻ 

المفاجأة الثانية.. «دي قضية تموين أكبر من إمكانات البوكس»

 لم تتوقف المأمورية عند المخدرات داخل المكان ظهرت كميات كبيرة من السلع، من بينها الأرز والسكر والصابون والسجائر وغيرها. 

هنا أدرك شافعي أن الأمر لا يتعلق بقضية مخدرات فقط، وإنما هناك واقعة تموينية كبيرة أيضًا. المشكلة كانت في الإمكانات. «البوكس مش هيكفي الحاجات دي كلها». 

لكن في هذه اللحظة ظهر دورشيخ الغفر عبد العزيز أبو خضرة، الذي كان من رجال المنطقة، وساهم في التعامل مع الموقف ونقل المضبوطات. ومع استمرار المأمورية، اتسعت دائرة المفاجآت، وتحولت القضية من واقعة ضبط محدودة إلى عملية أكبر بكثير مما توقع الضابط الشاب عندما نزل من السيارة. 

 الفجر يقترب.. والخوف لم يكن من القضية وحدها كانت المأمورية تجري في الشتاء، وقبل الفجر بساعات. 

وكان شافعي يدرك طبيعة المكان، ويعرف أن استيقاظ الأهالي قد يغير المشهد بالكامل. كان عليه أن ينهي العملية، ويحافظ في الوقت نفسه على القوة الموجودة معه وعلى المضبوطات. يستعيد تلك اللحظات باعتبارها اختبارًا حقيقيًا للمسؤولية. لم يكن الأمر مجرد ضبط متهمين أو تحريز مضبوطات، وإنما قرار لحظي في موقف لا يحتمل الخطأ. ومع اقتراب الفجر، كان عليه أن يقرر متى ينتهي ومتى يتحرك. 

 اللحظة التي بكى فيها الضابط.. مجدي البسيوني لم يرَ «الرتبة» فقط بعد العودة إلى المركز

كانت نتيجة المأمورية أكبر بكثير مما توقعه الضابط الشاب وعندما التقى مجدي البسيوني،الذي حذره من مخاطره التعرض بمفرده او تهوره في أماكن معلومة ومعروف مدي خطورتها علي ظابط بمفرده وحديث التخرج كان خائفأ متوترأ من رده فعله لما حدث دون أذن والتعامل بمفرده وما التقى مجدي البسيوني، انهارت مشاعر شافعي ونزلت دموعه.حدث موقف ظل شافعي يحتفظ به في ذاكرته انهارت مشاعره، ونزلت دموعه. لم يتعامل البسيوني معه باعتباره مجرد ضابط صغير عاد من مأمورية ناجحة، وإنما احتضنه وهدأه، ثم استمع إلى تفاصيل ما حدث. 

كانت لحظة إنسانية أكثر منها مهنية. ويقول شافعي إن تلك اللحظة جعلته يرى قائده بصورة مختلفة؛ لم يكن أمامه فقط مأمور المركز، وإنما شخص تعامل معه كأنه ابنه. 

ثم انتقل البسيوني معه إلى الجانب العملي، وساعده في إعداد المحاضر والإجراءات اللازمة، حتى اكتملت القضية وأُحيلت إلى النيابة. 

 من المخدرات إلى التموين.. «كنت باكتشف كل مرة إن اللي قدامي أكبر» تلك المأمورية كانت، بالنسبة إلى شافعي، درسًا مبكرًا في طبيعة العمل الشرطي. قد تنزل إلى موقع بسبب معلومة واحدة، فتجد أمامك أكثر من قضية. وقد تبدأ بمشهد تظنه حريقًا، فتكتشف مخدرات، ثم تجد نفسك أمام قضية تموين، ثم أمام عملية نقل وتحريز تحتاج إلى تنظيم وقوة أكبر. وكانت هذه التجربة من البدايات التي جعلته يفهم أن العمل الميداني لا يسير دائمًا وفق السيناريو المتوقع. 

 قضايا الآداب.. حين يصبح الضابط أبًا قبل أن يكون رجل ضبط من الملفات التي تركت أثرًا إنسانيًا لديه قضايا الآداب.

 ومنها قضية شبكة تعود، وفق روايته، إلى عامي 2015 و2016. يتحدث شافعي عن التعامل مع الهواتف المحمولة في هذه القضايا، وما يمكن أن تحتويه من معلومات وأدلة، مع التأكيد على أن تفتيشها واستخراج ما بها يخضع للإجراءات والأذون القانونية.

 لكن الجانب الذي بقي في ذاكرته لم يكن فقط ما جاء في أوراق القضية، كان يرى في هذه القضايا جانبًا اجتماعيًا وإنسانيًا شديد القسوة، خصوصًا فيما يتعلق بالشباب والفتيات. 

ومن هنا يتحدث عن خوفه على أبنائه وعلى الفتيات عمومًا، وعن الأثر الذي تتركه مشاهدة هذه النوعية من الوقائع في رجل يعيش تفاصيلها من الداخل. 

 «في قضايا بتتقفل على الورق.. لكنها ما بتتقفلش جوه الإنسان» ربما تكون هذه الفكرة هي مفتاح تجربة شافعي كلها.

 فالقضية قد تنتهي قانونيًا. المحضر يُكتب المتهم يُعرض على النيابة وتصدر القراراتلكن الإنسان الذي عاش التفاصيل لا يضع بالضرورة نقطة في نهاية القصة بمجرد إغلاق الملف بعض المشاهد تظل معه بعض الوجوه لا ينساها. 

وبعض القرارات تظل تعود إلى ذاكرته بعد سنوات. وهنا تحديدًا ينتقل شافعي من الحديث عن «رجل الشرطة» إلى الحديث عن الإنسان الذي يعيش داخل هذا الرجل. 

 حين يلتقي القانون بالإنسان.. «روح القانون مش مجرد محضر» س: هل مرّت عليك خلال عملك في المباحث واقعة شعرت فيها أن رجل الأمن لا يتعامل فقط مع متهم، وإنما مع إنسان وظروفه؟ اللواء أمجد الشافعي: طبعًا. من المواقف اللي ما زالت في ذاكرتي واقعة لرجل كبير في السن، كان متورطًا في استقطاب شباب لسلوكيات مرفوضة، وتم ضبطه بالفعل. 

لكن لما تعاملت مع الحالة عن قرب، لقيت إن الموضوع أكبر من مجرد واقعة تُكتب في محضر. الراجل كان كبير في السن، وله أولاد وأحفاد، وكان له منصب ومكانة اجتماعية، واللي ظهر لي إن اللي مرّ به كان حالة نفسية عابرة أثرت عليه. 

هنا كان لازم أكون رجل قانون، لكن في نفس الوقت أكون إنسان. روح القانون مش معناها إننا نتجاهل المسؤولية القانونية، لكنها معناها كمان إن رجل الأمن يفهم ظروف الإنسان اللي قدامه، ويعرف إمتى تكون مراعاة الظروف الإنسانية جزءًا من تحقيق الغرض الأهم. أنا وقتها راعيت ظروفه، وما استكملتش الإجراءات بالشكل اللي كان ممكن يهدم بيته وحياته، خصوصًا إنه كان عنده أولاد وأكثر من 12 حفيدًا. وبعد حوالي شهرين، فوجئت إنه رجع لي تاني، لكن المرة دي كان إنسانًا مختلفًا. كان تعالج من الحالة النفسية اللي مر بيها وتحسنت حالته، وجاء يشكرني، وقال لي إن الموقف ده ساعده يحافظ على بيته وأولاده وأحفاده، وإنه كان ممكن يخسر كل شيء. الموقف ده علّمني إن رجل الشرطة أحيانًا بيكون أمام مسؤولية أكبر من مجرد «أعمل محضر أو ما أعملش محضر». أنت ممكن تكون سبب في إن إنسان يصلح حياته، وممكن قرار منك يهدم أسرة كاملة. وده بالنسبة لي هو الفرق بين إنك تكون مجرد موظف بيطبق نص، وإنك تكون رجل أمن فاهم مسؤولية القانون والجانب الإنساني في التعامل مع الناس. 

 مصر من عين رجل الأمن والمواطن.. «وطني قبل بطني» س: بعد كل السنوات دي، وبعد ما شفت مصر من موقع رجل الأمن، إزاي شايف الوضع الحالي للبلد؟ وعايزة أعرف رأيك كمواطن عادي بعيدًا عن الرتبة والمنصب، ورأيك كرجل أمن؟

 اللواء أمجد الشافعي: كمواطن عادي، أنا شايف إن مصر مرت بفترة صعبة جدًا، خصوصًا فترة الإخوان وما تبعها من مرحلة الإرهاب. كانت البلد وقتها بتواجه ضغوطًا وتحديات كبيرة جدًا، وكانت مرحلة صعبة على الدولة والمواطن. وإحنا خرجنا من المرحلة دي بلطف ربنا ورعايته، وبفضل القيادة السياسية ورئيس البلاد. وأنا شايف إن وجود قيادة سياسية قوية، مع اصطفاف المواطنين حول الدولة، كان عاملًا أساسيًا في عبور المرحلة دي وطبيعي جدًا إن المواطن المصري النهارده يكون عنده ضغوط اقتصادية ومعيشية، ومن حقه إنه يتمنى حياة أفضل. لكن أنا عندي مبدأ بقول عنه دائمًا: «وطني قبل بطني»

أنا عارف معنى المسؤولية؛ إنتِ لو عندك ثلاثة أولاد، فأنتِ عارفة المسؤولية عن ثلاثة، فما بالك بمسؤولية دولة عن أكثر من مئة مليون مواطن؟ دي مسؤولية ضخمة جدًا. وعشان كده، أنا شايف إن المرحلة اللي عدينا منها كانت محتاجة قيادة قوية، ومحتاجة تماسك واصطفاف من الشعب. وأنا بقول الكلام ده كمواطن قبل ما يكون رأي رجل أمن، ومن غير تحيز. أما كرجل أمن، فأنا شفت بنفسي حجم المخاطر والتحديات اللي كانت موجودة، وعارف إن الحفاظ على الدولة وأمنها واستقرارها كان هو الأساس. وبعدها تأتي كل الملفات الأخرى، ومنها الاقتصاد وتحسين مستوى معيشة المواطن. أنا ما بقولش إن كل حاجة مثالية، ولا إن المواطن ما عندوش مشاكل؛ بالعكس، مشاكله حقيقية ولازم تتاخد بجدية. لكن لازم نفتكر أيضًا إحنا كنا فين، وإزاي قدرنا نخرج من واحدة من أصعب الفترات اللي مرت بها مصر.

  «الضابط مش آلة».. لماذا اهتم شافعي بعلم النفس؟ 

مع مرور السنوات، بدأ شافعي يهتم أكثر بالجوانب النفسية للعمل الشرطي. فالضابط قد يرى يوميًا قتلى وجثثًا وجرائم وقضايا ومتهمين، وإذا لم يكن قادرًا على التعامل مع الأثر النفسي لهذه المشاهد، فقد تتحول المهنة نفسها إلى عبء داخلي. ويؤكد أن وزارة الداخلية كانت تهتم منذ وقت مبكر بالجوانب التدريبية والنفسية، لكنه أيضًا لم ينتظر فقط ما يُقدم له، وإنما اتجه إلى القراءة والاطلاع في علم النفس والتنمية البشرية. بالنسبة إليه، تطوير الضابط لنفسه لا يقل أهمية عن تطوير مهاراته المهنية.

أربعون عامًا.. لماذا قرر أن يتحدث الآن؟

 بعد سنوات طويلة من العمل، يأتي هذا الحوار في توقيت مختلف. لم يعد شافعي يتحدث من موقع الضابط الذي يشرح واقعة، وإنما من موقع رجل عاش التجربة ويريد أن يروي ما وراءها. ربما لأن الأخبار والمحاضر لا تستطيع نقل كل شيء. فالخبر قد يقول إن مأمورية أسفرت عن ضبط قضية، لكنه لا يستطيع في سطوره المحدودة أن يشرح كيف كان شعور الضابط وهو يدخل المكان، أو كيف اتخذ قراره، أو ماذا حدث له بعد انتهاء المأمورية. وهذا هو الجانب الذي يحاول شافعي الاقتراب منه من خلال مشروعه وحواراته، ومن بينها «المصيدة»: أن يفتح مساحة لما لا يظهر عادة في الأوراق. 

 «المصيدة».. محاولة للحديث عما وراء المحضر لا يقدم شافعي «المصيدة» باعتبارها مجرد استعادة لوقائع قديمة، وإنما كمساحة للحديث عن التجربة من داخلها.

 عن الضابط الذي كان يقف في موقع الحدث،عن الإنسان الذي يخاف ويخطئ ويتردد ثم يتخذ قرارًا. عن القائد الذي يمكن أن يغير حياة ضابط شاب بكلمة. وعن القضايا التي تنتهي أمام النيابة والمحكمة، لكنها تظل مفتوحة في الذاكرة. إنها محاولة للانتقال من «ماذا حدث؟» إلى سؤال أكثر إنسانية: ماذا فعل ما حدث بالإنسان الذي عاشه؟ 

«أبويا علمني الأمانة.. ومجدي البسيوني علمني أكون ضابطًا» 

وفي النهاية، تبدو رحلة أمجد الشافعي كأنها سلسلة من الأشخاص والمواقف التي أعادت تشكيله مرة بعد أخرى. والده وضع الأساس: المسؤولية والأمانة والحساب. كلية الشرطة صنعت الانضباط والتحمل. مجدي البسيوني وضع بصمته على الضابط الشاب، وترك وراءه نموذجًا للقيادة ظل حاضرًا في ذاكرته. أما القضايا، فكانت الاختبار الحقيقي. ومن بين كل هذه السنوات، لم يحتفظ شافعي فقط بأسماء القضايا أو تفاصيل المحاضر، وإنما احتفظ بالوجوه والمشاعر واللحظات التي جعلته يدرك أن رجل الشرطة، مهما كانت رتبته، يظل في النهاية إنسانًا. وربما لهذا اختار أن يتحدث الآن. ليس ليعيد فتح الملفات التي أُغلقت، وإنما ليحكي ما الذي بقي منها داخله بعد أن أُغلقت. وبين طفل تعلّم من والده أن «الحساب بالتعريفة» يعني الأمانة، وضابط شاب تعلّم من مجدي البسيوني أن الرتبة لا تصنع رجل الشرطة، ورجل أمن حمل معه عشرات السنين من الوقائع والوجوه والقرارات، تبدو الرسالة الأهم التي خرج بها أمجد الشافعي من رحلته بسيطة في كلماتها، عميقة في معناها: أن حماية الوطن لا تنفصل عن حماية الإنسان، وأن هيبة رجل الأمن لا تُقاس فقط بقدرته على تطبيق القانون، وإنما أيضًا بقدرته على فهم مسؤوليته، واحترام الناس، والحفاظ على إنسانيتهم وإنسانيته هو. فهذه، في النهاية، ليست فقط حكاية أربعين عامًا في الشرطة، وإنما حكاية رجل يرى أن بعض القضايا قد تُغلق في المحاضر، لكنها تظل مفتوحة في الذاكرة، وأن أفضل ما يمكن أن يتركه الإنسان بعد سنوات طويلة من العمل ليس عدد القضايا التي أغلقها، وإنما عدد الأشخاص الذين خرجوا من تجربته أكثر أمانًا، وأكثر وعيًا، وأقل خوفًا.

«تعلموا قبل أن تتصدروا» بعد كل هذه السنوات، لا يختزل شافعي رسالته للضباط الأصغر سنًا في نصائح مهنية فقط. يضع أمامهم ما تعلمه من قياداته ومن تجربته: احترام الناس، والاستماع، والتعلم، وعدم اعتبار السلطة امتيازًا شخصيًا. ويؤكد أن الضابط لا يتوقف عن التعلم بمجرد ارتداء الزي أو الحصول على الرتبة. بل إن كل قضية وكل موقف وكل قائد يمكن أن يكون درسًا جديدًا. والأهم ألا يفقد الإنسان نفسه وسط ضغط المهنة.

رسالة أمجد الشافعي للضباط الجدد.. «احموا الوطن.. واحموا الناس» 

س: بعد كل هذه السنوات، لو كان أمامك الآن ضابط شاب في بداية طريقه، ماذا تقول له؟ 

اللواء أمجد الشافعي: أقول له أول حاجة: حافظ على وطنك، لأن الوطن هو الأساس. وحافظ على الناس، لأن المواطن هو اللي أنت موجود علشان تحميه وتخدمه ما تخليش الرتبة تغيرك، وما تخليش السلطة تخليك تشوف نفسك أعلى من الناس. أنت في النهاية موظف في خدمة وطنك، والناس اللي قدامك لهم حقوق وعندهم مشاكل وظروف، ولازم تسمعهم وتحاول تفهمهم. وأقول له كمان: اهتم بنفسك وبنفسيتك، لأن العمل الأمني مش سهل، والضابط بيتعرض لضغوط ومواقف صعبة ومشاهد ممكن تفضل معاه سنين. وأنا أتمنى دائمًا استمرار الاهتمام بالتدريب النفسي للضباط، ووجود برامج ودورات متخصصة تساعدهم على التعامل مع الضغوط، ومع طبيعة القضايا والمواقف اللي بيتعرضوا لها.

 وده في الحقيقة موجود داخل وزارة الداخلية، والاهتمام بالجانب النفسي والتدريب المستمر شيء مهم جدًا، ولازم يستمر ويتطور. الضابط القوي مش بس اللي يعرف يواجه الجريمة، لكن كمان اللي يعرف يسيطر على نفسه، ويفهم اللي قدامه، ويتصرف بحكمة في أصعب الظروف.

  إشادة بوزارة الداخلية.. «المعلومة لازم توصل في وقتها»

 وفي ختام حديثه، حرص شافعي على توجيه التحية إلى وزارة الداخلية، مشيرًا إلى التطور الذي يراه في طريقة تعامل الوزارة مع الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي خلال الفترة الأخيرة. ويقول إن سرعة التعامل مع الأحداث وإصدار البيانات الرسمية في توقيتها، إلى جانب المتابعة المستمرة على مدار الساعة، أصبحت عاملًا مهمًا في توضيح الحقائق ووصول المعلومات إلى المواطنين في وقتها. اللواء أمجد الشافعي: أنا بشكر وزارة الداخلية جدًا على الجهود اللي بتبذلها، خصوصًا في الفترة الأخيرة في مواكبة السوشيال ميديا والتعامل مع الأحداث بشكل سريع، وإصدار البيانات الرسمية في وقتها. المواطن النهارده محتاج يعرف الحقيقة بسرعة، ومحتاج يبقى فيه مصدر رسمي يرجع له، ووجود متابعة على مدار 24 ساعة والتعامل مع الأحداث أولًا بأول شيء مهم جدًا. وده في رأيي تطور مهم، لأن الإعلام الأمني مش مجرد بيان بيتقال، لكنه جزء من طمأنة الناس، وتوضيح الحقيقة، ومواجهة الشائعات والمعلومات المغلوطة. 

 

تم نسخ الرابط