بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
نجدى عيسى
رئيس التحرير
وليد الغمرى

كيف تعزز الاحتياطيات الدولية قدرة مصر على مواجهة تقلبات أسواق الطاقة العالمية؟

بلدنا اليوم

تدخل أسواق الطاقة العالمية مرحلة شديدة الحساسية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في نوفمبر المقبل، بالتزامن مع دخول فصل الشتاء وارتفاع الطلب الموسمي على الغاز الطبيعي، بينما لا تزال أسواق النفط والغاز تحت تأثير التوترات الجيوسياسية واضطرابات حركة الملاحة والإمدادات.

وتزداد أهمية هذه التطورات بالنسبة لمصر، التي انتقلت خلال السنوات الأخيرة من دولة تحقق فائضًا في الغاز الطبيعي إلى مستورد صافٍ لتغطية احتياجات السوق المحلية، في وقت تمثل فيه فاتورة الطاقة أحد أهم مصادر الضغط على العملة الأجنبية والموازنة والحساب الجاري.

وتشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن مصر دخلت الأزمة الإقليمية من وضع خارجي أفضل مما كانت عليه خلال أزمات سابقة، إذ ارتفع إجمالي الاحتياطيات الدولية إلى نحو 64.3 مليار دولار بنهاية يونيو 2026، مقابل 56.8 مليار دولار بنهاية يونيو 2025 و53.8 مليار دولار في يونيو 2024. كما بلغت الاحتياطيات نحو 119% من مقياس كفاية الاحتياطيات لدى الصندوق بنهاية يونيو 2026.

لكن تحسن الاحتياطيات لا يعني أن فاتورة الطاقة خرجت من دائرة الخطر، إذ كشف صندوق النقد أن فاتورة واردات الطاقة المصرية ارتفعت بنحو 3.5 مليار دولار بين مارس ويونيو 2026، وكان الغاز الطبيعي مسؤولًا عن نحو نصف هذه الزيادة، بعد أن أدى توقف إمدادات الغاز عبر الأنابيب من إسرائيل في مارس إلى لجوء مصر إلى شراء شحنات غاز مسال مرتفعة التكلفة.

حسام عرفات: الانتخابات تزيد حساسية السوق للتصريحات السياسية

قال الدكتور حسام عرفات، أستاذ هندسة البترول والتعدين، إن سوق النفط لم يعد يتحرك وفق معادلة العرض والطلب وحدها، وإنما أصبحت التطورات الجيوسياسية والتصريحات السياسية عنصرًا رئيسيًا في تحديد اتجاه الأسعار، خصوصًا عندما ترتبط هذه التطورات بممرات استراتيجية لنقل الطاقة مثل مضيق هرمز.

وأوضح عرفات في تصريحات خاصة لـ"بلدنا اليوم"، أن أي اضطراب في حركة الملاحة أو الإمدادات يرفع علاوة المخاطر في الأسواق، وهو ما يجعل الأسعار شديدة الحساسية للتطورات السياسية، مشيرًا إلى أن اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية قد يزيد من أهمية التصريحات المرتبطة بالطاقة والسياسة الخارجية الأمريكية، لكنه لا يعني أن الانتخابات ستكون العامل الوحيد الذي يحدد حركة النفط.

وأضاف عرفات أن مصر تتأثر بهذه التطورات من أكثر من قناة، سواء من خلال أسعار الخام أو المنتجات البترولية أو الغاز الطبيعي المسال، مؤكدًا أن الحل الأكثر استدامة لتقليل تعرض الاقتصاد المصري لتقلبات الأسواق العالمية يتمثل في زيادة الإنتاج المحلي وتسريع عمليات البحث والاستكشاف وتنمية الحقول القائمة، بما يقلل الاحتياج إلى الاستيراد ويخفف الضغط على العملة الأجنبية.

مدحت يوسف: فاتورة الاستيراد هي الحلقة الأكثر حساسية

وقال المهندس مدحت يوسف، نائب رئيس هيئة البترول الأسبق، إن مصر تواجه تحديًا متزايدًا في توفير احتياجات الطاقة نتيجة ارتفاع تكلفة الاستيراد عالميًا، مشيرًا إلى أن الاعتماد على الأسواق الخارجية لتوفير جزء من احتياجات الغاز والمنتجات البترولية يجعل الاقتصاد أكثر تأثرًا بتحركات الأسعار الدولية.

وأوضح يوسف أن ارتفاع الأسعار العالمية لا ينعكس فقط على تكلفة الخام، وإنما يمتد إلى المنتجات البترولية وتكاليف النقل والتكرير، وهو ما يرفع الفاتورة النهائية التي تتحملها الدولة. وكان قد حذر في تصريحات سابقة من أن تسعير الوقود وفق الأسعار العالمية بالكامل كان سيضع البنزين والسولار عند مستويات مرتفعة للغاية، بما يمثل عبئًا كبيرًا على المواطنين والاقتصاد.

وأشار إلى أن ترشيد استهلاك الطاقة وزيادة الإنتاج المحلي أصبحا عنصرين أساسيين في مواجهة هذه الضغوط، خصوصًا مع دخول فصل الشتاء وما يصاحبه من ارتفاع الطلب العالمي على الغاز الطبيعي المسال. وفي الحالة المصرية، فإن قدرة الدولة على تأمين احتياجاتها أصبحت مرتبطة بامتلاك بنية استيراد مرنة؛ إذ تمتلك مصر حاليًا 4 وحدات عائمة لإعادة تغويز الغاز المسال، ثلاثًا في العين السخنة وواحدة في دمياط، بطاقة إجمالية تبلغ نحو 2.7 مليار قدم مكعبة يوميًا.

محمد فؤاد: الإنتاج المحلي أرخص من الاستيراد بأكثر من 3 مرات

وقال الدكتور محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي، إن أزمة الطاقة تكشف بوضوح الفارق الكبير بين تكلفة الإنتاج المحلي وتكلفة شراء الغاز من الخارج، موضحًا أن إنتاج مليون وحدة حرارية من الغاز محليًا يكلف نحو 5 دولارات، بينما تصل تكلفة استيراد الكمية نفسها إلى نحو 18 دولارًا.

وأضاف فؤاد أن استمرار تراجع الإنتاج المحلي يعني زيادة الاعتماد على الاستيراد، وهو ما يترجم إلى طلب إضافي على العملة الأجنبية، موضحًا أن قطاع الطاقة تحول إلى أحد البنود التي تستنزف موارد دولارية كبيرة. وأشار في تصريحات سابقة إلى أن فاتورة استيراد المحروقات ارتفعت من نحو 13 مليار دولار إلى 25 مليار دولار، بينما بلغ العجز التراكمي في ميزان الطاقة نحو 42 مليار دولار خلال الفترة من 2023 إلى 2025.

وأكد فؤاد أن ارتفاع أسعار الطاقة العالمية لا يمثل مشكلة لقطاع البترول وحده، وإنما يمتد تأثيره إلى سعر الصرف والتضخم والمالية العامة، خصوصًا إذا تزامن ارتفاع النفط والغاز مع استمرار الحاجة إلى شراء كميات كبيرة من الخارج. وكان قد قدر أن فاتورة الطاقة في شهري يونيو ويوليو قد تتراوح بين 2.5 و3 مليارات دولار شهريًا خلال ذروة الطلب الصيفي.

صندوق النقد: 10 دولارات إضافية للنفط تعني ضغطًا جديدًا على الحساب الجاري

وتكشف بيانات صندوق النقد الدولي أن صدمة الطاقة أصبحت بالفعل ملموسة في الاقتصاد المصري؛ فخلال الفترة من مارس إلى يونيو 2026 ارتفعت فاتورة واردات الطاقة بنحو 3.5 مليار دولار، وكان الغاز الطبيعي مسؤولًا عن قرابة نصف الزيادة. كما يقدر الصندوق أن كل ارتفاع قدره 10 دولارات في سعر برميل النفط يؤدي إلى زيادة عجز الحساب الجاري المصري بنحو 0.3% من الناتج المحلي الإجمالي سنويًا.

وتظهر المقارنة مع فترة ما قبل الأزمة أهمية هذه الأرقام؛ فقد ارتفعت الاحتياطيات الدولية من 53.8 مليار دولار في يونيو 2024 إلى 56.8 مليار دولار في يونيو 2025 ثم إلى 64.3 مليار دولار في يونيو 2026، ما يمنح الاقتصاد المصري هامشًا أكبر لامتصاص الصدمات. لكن الصندوق يحذر في الوقت نفسه من أن استمرار التوترات وارتفاع أسعار الطاقة يمكن أن يعيد الضغط على الحساب الجاري والاحتياطيات والتضخم.

ويشير الصندوق إلى أن الوضع الخارجي لمصر كان أفضل قبل اندلاع الحرب، إذ بلغت الاحتياطيات نحو 64 مليار دولار في نهاية يناير 2026، أي ما يعادل نحو 119% من مقياس كفاية الاحتياطيات. لكن سيناريو تصاعد الصراع يظل مصدر خطر، خاصة أن إيرادات قناة السويس ما زالت نحو 50% أقل من مستويات ما قبل 2023، ما يعني أن مصر تواجه صدمة الطاقة في وقت لم تستعد فيه قناة السويس كامل قدرتها السابقة على توليد النقد الأجنبي.

ولا تتوقف الضغوط عند أسعار النفط؛ فمصر استوردت نحو 985 مليار قدم مكعبة من الغاز خلال السنة المالية 2025/2026، مع توقع ارتفاع الواردات إلى نحو 1.081 تريليون قدم مكعبة في 2026/2027، في الوقت الذي انخفض فيه متوسط الإنتاج المحلي إلى أقل من 4.4 مليار قدم مكعبة يوميًا خلال العام المالي الماضي، مع توقع تراجعه إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعبة يوميًا في العام المالي الحالي.

تم نسخ الرابط