طاهر إدريس يكتب: ثورة أخلاقية.. عندما قال المجلس الأعلى للإعلام كفى
لم تكن قرارات المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام الأخيرة مجرد بيانات إدارية عابرة، بل كانت إعلانًا صريحًا عن بدء ثورة أخلاقية طال انتظارها في المشهد الإعلامي المصري، ثورة تعيد للكلمة قدسيتها، وللخصوصية حرمتها، وللإنسان كرامته، سواء كان مواطنًا بسيطًا أو رياضيًا شهيرًا أو فنانًا معروفًا أو شخصية عامة.
الحرية ليست فوضى
لقد تحوّل الإعلام في السنوات الأخيرة عند البعض من رسالة سامية إلى ساحة للتشهير وتصفية الحسابات، ومن منبر للتنوير إلى مسرح لاقتحام البيوت وكشف الأسرار العائلية والخلافات الشخصية على الهواء مباشرة أو عبر المواقع الإلكترونية، بحثًا عن «تريند» على حساب سمعة الناس وأعراضهم.
وهنا جاء دور المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبدالعزيز، ليقول كلمة الفصل: «الحرية ليست فوضى»، والنقد ليس شتيمة، والشهرة ليست رخصة لانتهاك الخصوصية.
لقد استند المجلس في تحركه إلى دوره الدستوري والقانوني والأخلاقي، وإلى قانون تنظيم الصحافة والإعلام الذي ألزم كل المؤسسات والوسائل الإعلامية والصحفية والمنصات الرقمية بعدم تداول أو إتاحة أو مناقشة أي محتوى يتعلق بالأزمات أو الخلافات الأسرية أو أسرار الحياة الشخصية لكافة المواطنين دون استثناء.
المهندس خالد عبدالعزيز أرسل رسالة واضحة لا تقبل التأويل، مفادها أنه لا أحد فوق الأخلاق، ولا أحد تحت الحماية. المواطن العادي له نفس الحق الذي يتمتع به النجم والمسؤول، والشخصية العامة ليست مادة مباحة للتجريح.
وهنا لم يكتفِ المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بالبيانات والتحذيرات، بل تحوّل إلى الفعل الحاسم. ففي حزمة قرارات عاجلة، قرر المجلس منع ظهور الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني، على جميع الوسائل الإعلامية، واستدعاء الممثلين القانونيين لعدد من المواقع الإلكترونية بسبب تداول أمور تتعلق بحياته الخاصة.
وقبلها، لم يتردد المجلس في منع ظهور إعلاميتين شهيرتين لمدة شهرين، بعد تجاوزات أخلاقية ومهنية، وفي إحالة شكوى نادي الزمالك بشأن هتافات مسيئة في مباراة القمة إلى اللجان المختصة لاتخاذ الإجراءات اللازمة.
إنها قرارات تثبت أن المجلس لا يجامل نجمًا مهما كان، ولا يخشى أسماءً، ولا يفرق بين رياضي وفنان ومسؤول. المعيار عند المهندس خالد عبدالعزيز واحد، وهو احترام أخلاقيات المهنة.
وهنا لزم عليَّ الإشادة بالمجلس الأعلى للإعلام؛ لأنه أعاد تعريف العلاقة بين الحرية والمسؤولية. إن حرية الرأي والتعبير حق أصيل، لكنها لا تعني إهدار خصوصية الإنسان أو تحويل أزماته العائلية إلى مادة للعرض والتداول.
أشيد به لأنه حمى الأسرة المصرية من أن تتحول خلافاتها إلى «محتوى» يُباع ويُشترى.
أشيد به لأنه حمى الرياضة من التعصب والسباب، وحمى الفن من الابتذال، وحمى الإعلام نفسه من السقوط في مستنقع الإثارة الرخيصة.
لقد وضع المجلس خطًا أحمر أمام كل من يظن أن الشهرة تبيح له أن يخوض في أعراض الناس.
ما يفعله المجلس اليوم ليس تقييدًا للحريات، بل يحافظ عليها.
يا سادة، إن مصر بتاريخها وحضارتها وقيمها تستحق إعلامًا يليق بها؛ إعلامًا يناقش الأفكار لا الأشخاص، ويحاسب الأداء لا الحياة الخاصة، ويختلف باحترام لا يتطاول ببذاءة.
ومن هنا أقولها وبكل وضوح: شكرًا للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، شكرًا للمهندس خالد عبدالعزيز؛ لأنه اختار أن يكون حارسًا للقيم لا شاهدًا على انهيارها، وشكرًا لأنه أعلنها ثورة أخلاقية لا تقبل أنصاف الحلول.
إما إعلام نظيف يحترم المواطن، أو لا إعلام.
لقد بدأت الثورة، وعلى الجميع أن يلتزم، فزمن التطاول قد انتهى.
