وليد الغمري يكتب: في إنقاذ الإعلام.. من ينتصر.. التوجيه الرئاسي أم الدولة العميقة؟!
هل تراجعت الدولة عن وضع خارطة مستقبل للإعلام المصري بعد التكليف الرئاسي بهذا؟ أم أن الظرف السياسي الدولي خلق ترتيب أولويات داخلية لا علاقة لها بإنقاذ الإعلام؟! أعرف جيداً أن استقدام وزير دولة للإعلام في أعقاب المبادرة الرئاسية، هو اعتراف رسمي رفيع المستوى أن هذه الصناعة في مصر تحتاج لمُنقذ، ولكن يبدو أيضاً أن هناك "لوبي" ما لا يريد أن تعود الصحافة المصرية، ولا الإعلام المصري إلى سابق عهده، فبعض الأشخاص والكيانات الاعتبارية يزعجها الصوت العالي، بل منظومة الفساد في مصر لا تريد لعيون الصحافة والإعلام أن تعود لمراقبتها مرة أخرى.
والتجربة المصرية تقول إننا ومنذ يناير 2011 وقد دخلت مصر "معركة الوعي" وفي هذه المعركة لابد أن نعترف أننا خسرنا جولات كثيرة، والسبب ببساطة أن الدولة المصرية في شكلها الرسمي عاشت حالة من عدم الثقة في "جيش الكلمة المصري" ولابد أن نعترف أن العدو استغل هذه الحالة بشكل مرير، ولنا أن نتخيل أن دولة تُعلن حرب التجويع على شريحة مهنية كاملة، في اللحظة التي كان منوطاً بهذه الشريحة الاصطفاف للدفاع عن هذه الدولة في المعركة التي استهدفت العقل الجمعي المصري بالكامل.
حتى بعد تدارك الموقف كان الحل هو التأميم غير الرسمي لما يزيد عن 80% من كامل منظومة الإعلام، لم يكن تأميماً فحسب بل كان تكميماً أو لنقل "شيطنة" لمهنة بكاملها، ولنا في شخصية الصحفي "إحسان" في فيلم الممر نموذج لتعامل الدولة رسمياً مع الصحفيين، فما بالنا بترسانة من اللوائح والقوانين التي وصلت بنا في النهاية، لعدم تمكن الصحفي المصري من التصوير في الشارع في نفس اللحظة التي تُركت فيها عدسات "البلوجرز" وهواة السوشيال ميديا تعيث فساداً في شوارع مصر.
ليصبح السؤال الآن: من يملك الدفاع في معركة الوعي؟! فالإعلام لم يعد ترفًا، ولا مجرد مهنة، بل أصبح أحد أعمدة مفردات القوة الشاملة في الدولة الحديثة، ومن يملك القدرة على صياغة الرواية، يملك قدرة هائلة على توجيه الواقع.. في مصر، لا تكمن الأزمة فقط في تراجع الأداء، بل في غياب سؤال جوهري: هل الإعلام أداة لنقل الحقيقة، أم أداة لإدارتها؟ والإجابة على هذا السؤال هي التي ستحدد مستقبل المهنة.. بل وربما مستقبل الوعي الجمعي للدولة المصرية ذاته.. لأن المعركة الحقيقية لم تعد فقط على الأرض.. بل في العقول.
ومع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم تعد المؤسسات الإعلامية وحدها هي من يصنع الرأي العام، بل أصبح كل فرد مشروع “وسيلة إعلام”، ينقل ويعلّق ويُعيد تشكيل الرسالة، لكن هذه “الديمقراطية الإعلامية” جاءت بثمن باهظ، تمثل في انهيار معايير التحقق، وسيولة الحقيقة، وصعود الشائعات كبديل للأخبار، وبذلك، تحوّل الرأي العام إلى ساحة معركة مفتوحة، لا تُدار فقط من قِبل الدول، بل أيضًا من قِبل جماعات، ومنصات، وخوارزميات.
والحقيقة أن "الكلمة" ليست بريئة، فهي قد تحرّض، وقد تهدّئ، قد تكشف، وقد تُضلّل.. وقوة الرسالة الإعلامية لا تكمن فقط في مضمونها، بل في توقيت نشرها، والجهة التي تصدر عنها، اللغة المستخدمة فيها، الصورة المصاحبة لها، والصورة هنا تحديدًا أصبحت السلاح الأخطر، لأنها تتجاوز العقل إلى الوجدان مباشرة، وتُحدث أثرًا فوريًا يصعب مقاومته أو تفكيكه.
لهذا، فإن أخطر ما في الإعلام الحديث ليس الكذب الصريح، بل “إعادة ترتيب الحقيقة”، بحيث تُعرض أجزاء وتُخفي أخرى، فيخرج المتلقي بصورة ذهنية مكتملة.. لكنها منحازة.
وحين يتم إضعاف الإعلام المهني، لا يختفي التأثير الإعلامي بل ينتقل إلى مساحات أقل ضبطًا وأكثر خطورة.. تنتهي على شكل قذائف مميتة في عقل الوطن وجسده.. ليصبح السؤال الآن.. هل تستجيب الدولة العميقة للتوجيه الرئاسي برسم خريطة مستقبل الإعلام المصري، وإنقاذ صحافة الريادة وتليفزيون الريادة، أم سينتصر "لوبي" الفساد والمنتفعين من موت الصحافة والإعلام في مصر.