بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
نجدى عيسى
رئيس التحرير
وليد الغمرى

مشروع «E1» الإسرائيلي.. من مخطط مؤجل إلى واقع جديد بالضفة الغربية |خاص

مستوطنة معاليه أدوميم
مستوطنة معاليه أدوميم - الضفة الغربية المحتلة

لم يعد مشروع «E1» الإسرائيلي مجرد مخطط استيطاني مؤجل في أدراج الحكومات المتعاقبة بعدما انتقل أخيرا من مرحلة التخطيط إلى مرحلة التنفيذ، إذ طرحت إسرائيل في 18 أغسطس الماضي مناقصة لبناء 1,234 وحدة استيطانية في المنطقة المعروفة بـE1 الواقعة شرق القدس وحددت 19 أكتوبر المقبل موعدا نهائيا لتقديم العروض، في خطوة تعيد إلى الواجهة أحد أخطر المشاريع الاستيطانية في الضفة الغربية وأكثرها جدلا منذ سنوات.

فالمشروع الذي ظل مؤجلا لسنوات بفعل الضغوط الدولية, يستهدف في مرحلته الأوسع إقامة 3,401 وحدة سكنية على مساحة 12 كيلومترا مربعا بين القدس الشرقية ومستوطنة «معاليه أدوميم» لدمج المستوطنة بالقدس وتحويلهما إلى كتلة عمرانية واحدة تحت السيادة الإسرائيلية تفصل شمال الضفة عن جنوبها، ولذلك يُنظر إليه على أنه الضربة القاضية لـ«حل الدولتين»  كونه لا يشكل مجرد توسع استيطاني إضافي، بل إعادة تشكيل الخريطة الديموغرافية والجغرافية للضفة بما يجعل إقامة دولة فلسطينية متصلة قابلة للحياة أمرا مستحيلا.

تفكيك الضفة

في هذا الصدد، قال الدكتور «أيمن الرقب» - أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس، إن مشروع E1 يؤثر بشكل حاسم على مستقبل حل الدولتين ويقلل فرص إجراء مفاوضات سياسية تمهد لتسوية فلسطينية - إسرائيلية عادلة ودائمة، موضحا أن المشروع يفصل شمال الضفة عن جنوبها بشكل تام ويحول المدن الفلسطينية إلى تجمعات منفصلة ومعزولة بما يقوض وحدة الأراضي الفلسطينية ويجعل إقامة كيان فلسطيني متصل قابل للحياة أكثر صعوبة في ظل السيطرة الأمنية الإسرائيلية، مضيفا أن خطورة المشروع تكمن أيضا في نسف إمكانية قيام عاصمة فلسطينية في القدس الشرقية عبر تطويقها بالمستوطنات الإسرائيلية وعزلها عن امتدادها الجغرافي في الضفة.

الدكتور أيمن الرقب - أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس
الدكتور أيمن الرقب - أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس

وأوضح خلال حديثه  لـ«بلدنا اليوم» أن إحياء المشروع في هذا التوقيت يمثل مناورة سياسية من حكومة «بنيامين نتنياهو» بالتزامن مع الانتخابات الإسرائيلية المقررة في أكتوبر المقبل تستهدف فرض واقع جديد على الأرض يمهد لضم الضفة، مشيرا إلى أن الحكومة الإسرائيلية الحالية التي تشكلت في ديسمبر 2022 تتبنى توجها استيطانيا واضحا، إذ وضعت التوسع الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية والعمل على ضم الضفة في صدارة أولوياتها، كما أنها تستهدف بتنفيذ مشروع E1 توجيه ضربة حاسمة لحل الدولتين عبر "الحسم الاستيطاني", وفق تعبيره, تجاه ما تبقى من الأراضي الفلسطينية.

وأكد أن وصول الأوضاع الفلسطينية إلى هذه المرحلة الحرجة جاء نتيجة صمت المجتمع الدولي إزاء تصاعد الانتهاكات الإسرائيلية بصورة غير مسبوقة منذ أحداث السابع من أكتوبر 2023  ما جعل إسرائيل تتوسع في مشاريعها الاستيطانية وتضرب بعرض الحائط المواقف الدولية الرافضة لها، وأن الانحياز الأمريكي للتحركات الإسرائيلية شكّل "ضوءا أخضر" أمام تل أبيب لمواصلة اعتداءاتها، لافتا إلى أن مشروعE1  قد تم إعادة طرحه ضمن رؤية «صفقة القرن» التي قدمها الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» عام 2020 خلال ولايته الأولى.

وفي ختام حديثه، أكد الرقب أن تنفيذ مشروع E1 سيكون بمثابة "إطلاق رصاصة الرحمة الأخيرة" على مشروع حل الدولتين في ظل الصمت الدولي إزاء التوسع الاستيطاني الإسرائيلي غير المسبوق، محذرا من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى تأجيج الصراع وإعادة طرح خيار الدولة الواحدة الذي تشير إليه بعض الأصوات خلال النقاشات السياسية، مضيفا أن استمرار التوسع الاستيطاني قد يضع إسرائيل في النهاية أمام خيار وحيد يتمثل في الاعتراف بحق الفلسطينيين في مشاركتهم هذه الدولة وهو خيار لا يزال خارج الأجندة الإسرائيلية، إلا أن هذا الوضع لن يستمر طويلا - وفق تقديره - في ظل استحالة تهجير نحو ستة ملايين فلسطيني من قطاع غزة والضفة الغربية إلى دول أخرى.

غياب الردع

من جانبه، قال الدكتور «مختار غباشي» - الأمين العام لمركز الفارابي للدراسات السياسية، إن مساعي إحياء هذا المشروع الاستيطاني الخطير تأتي في سياق لا يمكن فصله عن التطورات الإقليمية والدولية، إذ تستغل إسرائيل انشغال المجتمع الدولي بحرب غزة والأزمات الدولية الأخرى وأبرزها الحرب الروسية - الأوكرانية والحرب الأمريكية - الإيرانية لتنفيذ مخططاتها بعيدا عن ضغوط دولية فاعلة، موضحا أن الضغوط الدولية والتحولات في المواقف الأوروبية والأمريكية تجاه تل أبيب بسبب تزايد انتهاكاتها تجاه الفلسطينيين لم تُحدث حتى الآن تأثيرا ملموسا  في ظل اقتصار تلك الضغوط بدرجة كبيرة على بيانات التحذير والإدانة واتخاذ إجراءات ضعيفة لا ترقى لمستوى التجاوزات الإسرائيلية غير المسبوقة.

الدكتور مختار غباشي، أمين مركز الفارابي للدراسات السياسية،
الدكتور مختار غباشي، أمين مركز الفارابي للدراسات السياسية،

ويؤكد غباشي في تصريح خاص لـ«بلدنا اليوم» أن مشروع E1 لا يمثل مجرد "مشروع استيطاني"، بل يعد تجسيدا خطيرا لـ"سياسة الضم الزاحف" التي انتهجتها حكومات إسرائيلية متعاقبة، والتي ترسخ لفرض واقع استيطاني لا رجعة فيه وتقويض التوصل إلى حلول تفاوضية للصراع إلى جانب تكريس نظام فصل عنصري بحكم الأمر الواقع، مختتما بأن حكومة نتنياهو الحالية تسعى إلى تثبيت هذا المشروع الحساس على الأرض وترسيخه قبل الاستحقاق الانتخابي المقبل, وربط أي حكومة إسرائيلية مقبلة بأمر واقع يصعب التراجع عنه.

تم نسخ الرابط