بلدنا اليوم
رئيس مجلس الادارة
نجدى عيسى
رئيس التحرير
وليد الغمرى

ياسر السجان يكتب: مبادرة الظل والثمر

بلدنا اليوم

في زمن كنا نبحث فيه عن حلول سريعة لمشاكل كبيرة ونبحث عن مشروعات تكلف المليارات وتنتهي في سنوات قليلة ننسى أحيانا أن الحل موجود في شجرة زرعها أجدادنا منذ مئات السنين وعاشت معهم وأعطتهم الخير والظل والثمر والدواء إنها شجرة التوت وشجرة الجلميز أو شجرة الجميز كما يسميها البعض تلك الأشجار المعمرة التي عاشت في مصر آلاف السنين وكانت رمزا للخير والبركة وكانت تملأ القرى والطرق والترع والحقول

إن مبادرة التوسع في زراعة شجر التوت والجلميز ليست مجرد مبادرة زراعية عابرة بل هي مبادرة وطنية بامتياز مبادرة تعيد للريف المصري هيبته وتعيد للطريق المصري ظله وتعيد للمواطن المصري ثمرة نظيفة بلا كيماويات وبلا مبيدات وبلا تكاليف باهظة فهذه الأشجار تعيش سنوات طويلة جدا قد تصل إلى مئات السنين ولا تحتاج إلى رعاية كبيرة ولا تحتاج إلى مياه كثيرة ولا تحتاج إلى أسمدة مستوردة بل هي شجرة بنت البيئة المصرية تتحمل الحرارة وتتحمل العطش وتتحمل الإهمال ومع ذلك تعطي بسخاء وتعطي بلا مقابل

شجرة التوت على سبيل المثال شجرة مباركة بكل المقاييس فهي تطرح ثمارا كثيرة ولذيذة ومفيدة للإنسان تعالج الأنيميا وتقوي المناعة وتنظف الدم وتخفض السكر وتفيد القلب وأوراقها هي الغذاء الوحيد لدودة القز التي تصنع الحرير الطبيعي الذي كان يصدر قديما ويجلب العملة الصعبة لمصر وأخشابها قوية وتصلح للصناعات الخشبية وظلها كبير وكثيف يحمي الإنسان والحيوان من حرارة الشمس الحارقة في الصيف

أما شجرة الجلميز أو الجميز فهي شجرة الفراعنة وشجرة التاريخ فقد وجدت ثمارها في مقابر أجدادنا الفراعنة وكانت مقدسة عندهم وكانت تزرع حول المعابد وحول البيوت وحول الترع وهذه الشجرة معمرة جدا وقد تعيش أكثر من خمسمائة سنة وجذورها قوية تثبت التربة وتمنع انهيار جسور الترع والطرق وثمارها كثيرة جدا وتطرح أكثر من مرة في العام وثمارها مفيدة جدا للمعدة وللجهاز الهضمي ولمرضى السكر ولها فوائد طبية كبيرة ذكرها الطب القديم والحديث وأوراقها علف ممتاز للماشية والأغنام وظلها لا مثيل له فهي شجرة عملاقة تظلل مساحة كبيرة جدا

ومن المعروف أن هذه الأشجار كانت موجودة في كل قرى مصر وكانت تزرع على جانبي الطرق الزراعية والترع الرئيسية وكانت الفلاحة تجلس تحتها تبيع التوت والجميز وكان المسافر يجد فيها راحة وظلا وكان الطالب يجد فيها مكانا يذاكر فيه وكانت القرية كلها تعرف شجرة التوتة الكبيرة التي في أول البلد وشجرة الجميزة التي في وسط الغيط وكانت هذه الأشجار جزءا من هوية الريف المصري وجزءا من تاريخ الريف المصري

ولكن مع الأسف الشديد تم قطع معظم هذه الأشجار في السنوات الأخيرة بحجة توسيع الطرق أو بحجة عدم فائدتها وتم استبدالها بأشجار زينة لا ثمر فيها ولا ظل حقيقي ولا فائدة اقتصادية فخسرنا الظل وخسرنا الثمر وخسرنا الجمال وخسرنا حتى ذاكرة المكان فأصبحت طرقنا بلا روح وأصبحت ترعنا بلا خضرة وأصبحت قرانا بلا هوية

إننا اليوم نطالب بمبادرة قومية كبرى لإعادة زراعة شجر التوت والجلميز على كل الطرق الزراعية والسريعة وحول المدارس والوحدات الصحية ومراكز الشباب وحول الترع بعد تبطينها وحول المصالح الحكومية وفي الأراضي غير المستغلة وفي الظهير الصحراوي لكل قرية ومدينة فهذه الأشجار لو زرعت اليوم ستعطي خيرا بعد عام واحد وستعطي ظلا بعد عامين وستبقى مئات السنين تعطي للأجيال القادمة بلا توقف

تخيلوا معي طريقا زراعيا من القاهرة إلى أسوان كله مزروع على جانبيه شجر توت وجلميز كيف سيكون منظره وكيف سيكون خيره فالمار سيجد ثمرة يأكلها وسيجد ظلا يستريح تحته وسيجد هواء نقيا يتنفسه وستجد الدولة ثروة قومية من الأخشاب والأعلاف والثمار والحرير الطبيعي وستجد البيئة رئة جديدة تتنفس بها وتقلل التلوث وتخفض درجة الحرارة وتقاوم التصحر

إن زراعة هذه الأشجار هي استثمار حقيقي في المستقبل واستثمار في صحة المواطن وفي جمال الوطن وفي مستقبل الريف فالشجرة المعمرة مثلها مثل المواطن الأصيل تعيش شامخة وتعطي بسخاء وتموت وهي تترك وراءها أثرا طيبا وخيرا كثيرا لأولادها وأحفادها

فلنبدأ اليوم قبل الغد في زراعة التوت والجلميز ولنجعلها مبادرة شعبية تشارك فيها المدارس والجامعات والجمعيات الزراعية والمجالس المحلية وكل مواطن مصري يزرع شجرة أمام بيته أو أمام حقله وليكن شعارنا شجرة توت وشجرة جلميز لكل طريق ولكل قرية ولكل مواطن فمصر التي زرعت التوت والجميز منذ عهد الفراعنة قادرة اليوم أن تعيد لهذه الأشجار مكانتها وقادرة أن تعيد لنفسها خضرتها وظلها وثمرها وجمالها

تم نسخ الرابط